فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ { ١٠١ ) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { ١٠٢ ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ { ١٠٣ ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ { ١٠٤ ) أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ { ١٠٥ )
الصور قرن [ بوق ] يأمر الله تعالى ملكا أن ينفخ فيه فيموت كل حي إلا الله سبحانه، ثم يأمره الله أن ينفخ فيه أخرى فإذا الأموات يبعثون.
حال من أحوال القيامة وهول من أهوالها، ذلك يوم النشور يوم يأمر الله تعالى الملك الموكل بالنفخ فينفخ في قرن من نور كما ورد فإذا الموتى يخرجون من الأجداث سراعا، تشققت الأرض عنهم، وجمع الله ما تحلل منهم، وعادت الأرواح إلى الأجسام، وأنشأهم كما خلقهم أول مرة فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون لا يفتخرون بالأنساب هناك مثلما كانوا يفتخرون بها في الدنيا، ولا يتعارفون لعظم ما دهاهم فألهاهم ؛ بل لو رأى أحدهم أقرب الناس كانوا إليه في الدنيا لم يسأله عونا، ولا قر به عينا :{ يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه. وصاحبته وبنيه. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه )١ وأورد المفسرون والمحدثون في هذا المقام آثارا ترقق القلوب٢ فمن رجحت كفة حسناته فقد فاز وأفلح ونجح وربح، وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، ومن خرج من الدنيا ولا حسنة له، أو عمل ولم يكن قد آمن فلا وزن له، مصداق قوله تعالى :{ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا )٣ { .. أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.. )٤ فأولئك الذين ضيعوا أنفسهم وأشقوها. وغبنوها حظوظها من رحمة الله، فلا مأوى لهؤلاء إلا دار العذاب مخلدين فيها { .. لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها.. )٥ والنار تشوي وجوههم وتحرقها، كما تحرق سائر الأعضاء، ولهم مع السعير والحريق الحسي، تحسير وغم نفسي، حتى ليعلوهم العبوس والكشرة، وتغشاهم الغبرة والقترة ؛ وما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم، ولهذا يحسرهم ويبكتهم : ألم يكن كتابي يقرأ عليكم، وعهدي يبلغ إليكم، فأبيتم إلا الجحود والنكران ؛ وأقمتم على الكفر والعصيان ؟ فاستوجبتم بذلك النكال والخسران ؟ ! فاللهم حبب إلينا القرآن ؛ وثبتنا على منهاج الفرقان، وقنا سخطك وأجزل لنا العطاء والرضوان
٢ رووا أن عليا ـ زين العابدين ـ ابن الحسين رضي الله تعالى عنهما كان بكاء في خلواته وأنه فزع يوما إلى أرض خلاء وقف فيها يناجي ربه منيبا تائبا، شديد الإشفاق من ربه، شديد الإعظام لذنبه؛ وكان مما قال:
| ألا أيها المقصود في كل وجــهة | شكوت إليك الضر فارحم شكايتي |
| ألا يا رجائي أنت تكشف كربتي | فهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي |
| أتيت بأعمال قباح رديئـــــــــــة | وما في الورى عبد جنى كجـــنايتي |
| أتحرقني بالنار يا غاية المــــنى | فأين رجائــــي ثم أين مخـــــــافتي |
٣ من سورة الفرقان. الآية ٢٣..
٤ من سورة النور. من الآية ٣٩..
٥ سورة فاطر. من الآية ٣٦..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب