ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ( ٢١ ) :
الأنعام : يراد بها الإبل والبقر، وألحق بالبقر الجاموس، ولم يذكر لأنه لم يكن موجودا بالبيئة العربية، والغنم وتشمل الضأن والماعز، وفي سورة الأنعام يقول تعالى : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين.. ( ١٤٣ ) [ الأنعام ].
ويقال فيها :{ أنعام ونعم ( بفتح النون والعين ).
والعبرة : شيء تعتبرون به وتستدلون به على قدرة الله وبديع صنعه في خلق الأنعام.
لكن، ما العبرة في خلق هذه الأنعام ؟ الحق- سبحانه وتعالى- تكلم عن خلق الإنسان، وأنه تعالى خلقه من صفوة وخلاصة وسلالة من الطين ومن النطفة، وهكذا في جميع أطوار خلقه. وفي الأنعام ترى شيئا من هذا الاصطفاء والاختيار، فالأنعام تأكل من هنا ومن هناك وتجمع شتى الأنواع من المأكولات، ومن هذا الخليط يخرج الفرث، وهو منتن لا تطيق رائحته ويتكون دم الحيوان، ومن بين الفرث والدم يصفي لك الخالق- عز وجل- لبنا خالصا، وهذه سلالة أيضا وتصفية.
قال تعالى : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث١ ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ( ٦٦ ) [ النحل ].
ونلحظ أن الآية التي معنا تقول : نسقيكم مما في بطونها ( ٢١ ) [ المؤمنون ]، وفي آية النحل : نسقيكم مما في بطونه ( ٦٦ ) [ النحل ] : ذلك لأننا نأخذ اللبن من إناث الأنعام ليس من كل الأنعام، فالمعنى مما في بطونها ( ٢١ ) [ المؤمنون ] : أي : الإناث منها و مما في بطونه ( ٦٦ ) [ النحل ] : أي : بطون البعض، ولذا عاد الضمير مذكرا.
وقوله : نسقيكم ( ٢١ ) [ المؤمنون ] : من سقى، وفي موضع آخر فأسقيناكموه ( ٢٢ ) [ الحجر ] : من الفعل أسقى. البعض يقول إنهما مترادفان، وهما ليسا كذلك لأن لكل منهما معنى، فسقى يعني : أعطاه الشراب، أما أسقى فيعني جهز له ما يشربه لحين يحب أن يشرب٢.
لذلك لما تكلم الحق سبحانه عن شراب الجنة، قال : وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا ( ٢١ ) [ الإنسان ].
ولما تكلم عن ماء المطر قال سبحانه : وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين ( ٢٢ ) [ الحجر ] : يعني : جعله في مستودع لحين الحاجة إليه.
كما قلنا في ( مرضع ) بالكسر، و( مرضع ) بالفتح، فمرضع بالكسر للتي ترضع بالفعل، ومنه قوله تعالى : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ( ٢ ) [ الحج ].
أما مرضع بالفتح، فهي الصالحة للرضاعة.
ثم يقول تعالى : ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ( ٢١ ) [ المؤمنون ]. نلحظ أن آية النحل ركزت على مسألة تصفية اللبن من بين فرث ودم، أما هنا فقد ركزت على منافع أخرى للأنعام، فكل آية تأخذ جانبا من الموضوع، وتتناوله من زاوية خاصة، نوضح ذلك لمن يقولون بالتكرار في القرآن الكريم، فالآيات في الموضوع الواحد ليست تكرارا، إنما هو تأسيس بلقطات مختلفة، كل لقطة تؤدي في مكانها موقعا من العظة والعبرة، بحيث إذا جمعت كل هذه المكررات الظاهرة تعطيك الصورة الكاملة للشيء.
والمنافع في الأنعام كثيرة : منها نأخذ الصوف والوبر، وكانوا يصنعون منه الملابس والفرش والخيام، قبل أن تعرف الملابس والمنسوجات الحديثة، ومن ملابس الصوف سميت الصوفية لمن يلبسون الثياب الخشنة، وهم الآن يصنعون من الصوف ملابس ناعمة كالحرير يرتديها المترفون.
ومن منافع الأنعام أيضا الجلود والعظام وغيرها، يقول تعالى : والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم٣ ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ( ٨٠ ) [ النحل ].
ومنها تأكلون ( ٢١ ) [ المؤمنون ] : أي : لحما، وذكر اللحم في آخر هذه المنافع، لأنه آخر ما يمكن الانتفاع به من الحيوان، وسبق أن ذكرنا أن الحيوان الذي أحله الله لنا إذا تعرض لما يزهق روحه، فإنه يرفع لك رقبته، ويكشف لك عن موضع ذبحه كأنه يقول لك : أسرع واستفد مني قبل أن أموت.
وفي لقطة أخرى لمنافع الأنعام يقول سبحانه : وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ( ٧ ) [ النحل ] : إذن : كل آية تحدثت عن الأنعام تعطينا فائدة لتظل مربوطا بالقرآن كله.

١ - الفرث: ما في الكرش من طعام مهضوم متغير كريه الرائحة. [القاموس القويم ٢/٧٤]..
٢ - قال الفراء: العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري لقوم أسقيت، فإذا سقاك ماء لشفتك قالوا سقاه ولم يقولوا أسقاه، كما قال تعالى: وسقاهم ربهم شرابا طهورا (٢١) [الإنسان]، وربما قالوا لما في بطون الأنعام ولماء السماء سقى وأسقى. [لسان العرب- مادة: سقى]..
٣ - الظعن: الانتقال من مكان إلى مكان أي سافر. [القاموس القويم ١/٤١٥]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير