ثم قال (أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ) يعني عائشة وصفوان بن الْمُعَطَّل الَّذِي قُذِفَ معها. فقال (مبرّءون) للاثنين كما قَالَ (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فلكلّ واحد) يريدُ أخوين فما زاد، لذلك حُجِبَ بالاثنين.
ومثله (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) يريد داود وسليمان. وقرأ ابن عباس (وكُنّا لحكمهما شاهدين) فدلّ عَلَى أنهما اثنان.
وقوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [٢٧] يقول: تستأذنوا. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) : تَسْتَأْذِنُوا قَالَ:
هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ إِنَّمَا هُوَ حَتَّى تُسَلِّمُوا وَتَسْتَأْذِنُوا. وأمروا أن يقولوا: السَّلَام عليكم أأدخل؟
والاستئناسُ فِي كلامِ العرب: اذهب فاسْتأنس هَلْ ترى أحدًا. فيكون هَذَا المعنى: انظروا «١» من فِي الدار.
وقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [٢٩] وهي البيوت التي تُتخذ للمسافرين: الخانات وأشباهها.
وقوله (فِيها مَتاعٌ لَكُمْ) أي منافع لكم. يقول تنتفعونَ بِهَا وتستظلونَ بِهَا من الحر والبرد (قَالَ الفراء الفندقُ مثل الخان «٢» قَالَ: وسمعتُ أعرابيًا من قُضاعة يقول فنتق).
وقوله: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [٣١] الزينة: الوشاح والدُّمْلُج «٣» (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها) مثل الكحل والخاتم والخَضَاب (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ) يقول لتُخَمِّر نَحرها وصدرها بِخمار. وَذَلِكَ أن نساء الجاهلية كنّ يسدلن خُمرهن من ورائهن فينكشفُ ما قدامها، فأمرن بالاستتار. ثُمّ قَالَ مكرّرا (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) يعني الوشاح والدملوج «٤» لغة (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ) من النسب إلى قوله (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ).
(٢) سقط ما بين القوسين في ا.
(٣) الدملج: المعضد وهى حلية تلبس فى العضد.
(٤) يريد أنه لغة فى الدملج. [.....]
وقوله (أَوْ نِسائِهِنَّ) يقول: نساء أهل دينهن. يقول: لا بأسَ أن تنظر المسلمة إلى جسد المسلمة. ولا تنظرْ إليها يهودية ولا نصرانية.
ورُخّص أن يرى ذَلِكَ من لَمْ يكن لَهُ فِي النساء أَرَب، مثل الشيخ الكبير والصبي الصغير الَّذِي لَمْ يدرك، والعنين. وَذَلِكَ قوله (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ) : التُّبَّاع والأجراء (قَالَ الفراء يُقال إِرْب وأَرَب).
وقوله (لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ) لَمْ يبلغوا أن يطيقوا النساء. وهو كما تَقُولُ: ظهرت عَلَى القرآن أي أخذته وأطقته. وكما تَقُولُ للرجل: صارع فلان فلانًا وظهر عَلَيْهِ أي أطاقه وغالبه.
وقوله (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) يقول: لا تضربن رجلها بالأخرى فيسمع صوت الخلخال. فذلك قوله (لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ) وَفِي قراءة عبد الله (لِيُعْلَمَ مَا سُرَّ «١» ١٢٧ ب مِنْ زِينَتِهِنَّ).
وأمّا قوله (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ) فإنه يُخفض «٢» لأنه نعت للتابعين، وليسوا بموَقتينَ «٣» فلذلك صَلحت (غير) نعتًا لَهُم وإن كانوا معرفة. والنصب جائز قد قرأ بِهِ عَاصِم «٤» وغير عَاصِم. ومثله (لا يَسْتَوِي «٥» الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) والنصب فيهما جَميعًا عَلَى القطع «٦» لأن (غير) نكرة. وإن شئت جعلته عَلَى الاستثناء فتوضع «٧» (إلا) فِي موضع (غير) فيصلح.
والوجه الأول أجود.
(٢) الخفض لغير ابن عامر وأبى بكر عن عاصم وأبى جعفر، أما هؤلاء فقراءتهم النصب.
(٣) أي بمعينين.
(٤) أي فى رواية أبى بكر. أما فى رواية حفص فالخفض، كما علم آنفا.
(٥) الآية ٩٥ سورة النساء. قرأ بالرفع ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب. وقرأ الباقون بالنصب.
(٦) يريد الحال.
(٧) أ، ب: «فتضع».
وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [٣٢] يعني «١» الحرائر. والأيامى القرابات نَحو البنت والأخت وأشباههما «٢». ثُمَّ قَالَ (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) يقول: من عبيدكم وإمائكم ولو كانت (وإماءكم) تردة عَلَى الصالِحين لَجاز.
وقوله (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ) للأحرار خاصة من الرجال والنساء.
وقوله: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ [٣٣] يعني المكاتبة. و (الذينَ) فِي موضع رفع كما قال (وَالَّذانِ «٣» يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما) والنصبُ جائز. وقوله (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) يقول «٤» إِذَا رجوتم عندهم وفاء وتأديةً للمكاتبة (وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ) حث الناس عَلَى إعطاء المكاتبين. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حدثنا الفراء قَالَ حَدَّثَنَا حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: يُعْطِيهِ ثُلُثَ مُكَاتَبَتِهِ. يَعْنِي الْمَوْلَى يَهِبُ لَهُ «٥» ثُلُثَ مُكَاتَبَتِهِ.
وقوله (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ) الْبِغَاء: الزنى. كَانَ أهل الجاهلية يُكرهون الإماء ويلتمسون منهن الْغَلَّةَ فيفجُرن، فنُهي أهل الإسلام عَن ذَلِكَ (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ) لهنّ (غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وقوله: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ [٣٤] قرأ يحيى بن وثّاب (مبيّنات) بالكسر.
والناس بعد (مُبَيِّناتٍ «٦» ) بفتح الياء، هَذِه والتي فى سورة النساء «٧» الصغرى. فمن قَالَ (مُبَيِّناتٍ) جعل الفعل واقعًا عليهنّ، وقد بيّنهن الله وأوضحهنّ (ومبيّنات) : هاديات واضحات.
(٢) ا: «شبهها».
(٣) الآية ١٦ سورة النساء.
(٤) ا: «إن».
(٥) ا: «للمكاتب».
(٦) قرأ بالفتح نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر وأبو جعفر ويعقوب، وقرأ بالكسر الباقون.
(٧) يريد سورة الطلاق. وهو يريد ما فى الآية ١١ منها «رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ» قرأ بالفتح نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة وأبو جعفر ويعقوب. وقرأ بالكسر غيرهم. [.....]
وقوله: كَمِشْكاةٍ [٣٥] المشكاة الْكُوّة التي ليست بنافذة. وهذا مثل ضربه الله لقلب المؤمن والإيمان فِيهِ. وقوله (الزُّجاجَةُ) اجتمعَ القراء عَلَى ضم الزجاجة. وقد يُقال زجاجة وزجاجة.
وقوله (كوكب درّىء) يخفض «١» أوله يهمز، حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي بذلك المفضل الضبي قَالَ قرأها عَاصِم كذلك (دِرِّيء) بالكسر. وقال أبو بكر بن عيّاش: قرأها عاصم «٢» (درّىء) بضم الدَّال وَالْهَمْز. وذُكر عَن الأعمش أنه قرأ (درّىء) و (درّىّ) بِهمزٍ وغير همز رُويا عَنْهُ جَميعًا ولا تُعرف جهة ضم أوله وهمزه لا يكون فِي الكلام فُعيل إلا عجميًا. فالقراءة إِذَا ضممت أوله بترك الْهَمْز. وإذا همزته كسرت أوّله. وهو من قولك: دَرَأ الكوكب إِذَا انحط كأنه رُجم «٣» بِهِ الشيطان فدمَغه «٤». ويُقال فِي التفسير: إنه واحد من الخمسة: المشترِي وزُحَل وعطارد والزُهرة والمريخ.
والعربُ «٥» قد تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها الدراريّ بغير همز.
ومن العرب من يقول: كوكب دِرِّيٌّ فينسبُهُ إلى الدُّرّ فيكسر أوَّله ولا يهمز كما قالوا: سُخْرِيّ وسِخْرِيّ، ولُجّيّ ولِجّيّ.
وقوله (تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ) (تذهب «٦» إلى الزجاجة. إذا قال (توقد) «٧». ومن قال (يُوقَدُ) «٨» ذهب إلى المصباح ويقرأ (تَوَقَّدُ) «٩» مرفوعة مشددة. ويقرأ (تَوَقّدَ) بالنصب والتشديد. من قَالَ (تَوَقَّدُ) ذهب إلى الزجاجة. ومن قَالَ (توقّد) نصبًا ذهب إلى المصباح) وكلّ صواب.
(٢) أي فى رواية أبى بكر لا فى رواية حفص. وهذه أيضا قراءة حمزة.
(٣) ش، ب: «زجر».
(٤) سقط فى ا.
(٥) ا: «يعد».
(٦) من هنا إلى قوله: «نصب ذهب إلى المصباح» هو ما فى ا. وفى ش، ب بدله: «مرفوعة. وتقرأ تَوَقّدَ) بالنصب والتشديد. من قَالَ (تَوَقَّدُ) ذهب إلى الزجاجة. ومن قال (توقد) فنصب ذهب إلى المصباح».
(٧) وهى قراءة أبى بكر وحمزة والكسائي وخلف، وافقهم الأعمش.
(٨) هى قراءة نافع وابن عامر وحفص
(٩) هى قراءة ابن محيصن والحسن.
وقوله (شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) وهي شجرة الزيت تَنْبُت عَلَى تَلْعة «١» من الأرض، فلا يسترها عَن الشمس شيء. وهو أجود لزيتها فيما ذُكر. والشرقية: التي تأخذها الشمس إِذَا شرقت، ولا تصيبها إِذَا غربت لأن لَهَا سترًا. والغربية التي تصيبها الشمس بالعشي ولا تصيبها بالغداة، فلذلك قَالَ لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها ولكنها شرقية غربية ١٢٨ ا. وهو كما تَقُولُ فِي الكلام: فلان لا مسافر ولا مقيم إِذَا كَانَ يسافر ويقيم، معناه: أَنَّهُ لَيْسَ بمنفرد بإقامة ولا بسفر.
وقوله (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ) انقطع الكلام هاهنا ثُمَّ استأنف فقال (نُورٌ عَلى نُورٍ) ولو كَانَ:
نورًا عَلَى نورٍ كَانَ صوابًا تَخرجه من الأسماء المضمرة من الزجاجة والمصباح.
وقوله: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [٣٦] قرأ الناس «٢» بكسر الباء. وقرأ عَاصِم (يُسَبِّحُ) بفتح الباء. فمن قَالَ (يُسَبِّحُ) رفع الرجال بنيَّة فعل مجدد. كأنه قَالَ يُسبِّح لَهُ رجال لا تلهيهم تِجَارة.
ومن قَالَ (يُسَبِّحُ) بالكسر جَعَله فعلًا للرجال ولم يضمر سواهُ.
وقوله: لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ [٢٧] فالتجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل عَلَى يديه.
كذا جاء فِي التفسير «٣».
وقوله (تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ) يقول: من كَانَ فِي دنياه شاكًّا أبصر ذَلِكَ فِي أمر آخرته، ومن كَانَ لا يشك ازداد قلبُه بصرًا لأنه لَمْ يره فِي دنياهُ: فذلك تقلبها.
وأما قوله: فِي بيوت أذن الله أن ترفع [٣٦].
فإن دخول (فِي) لذكر «٤» المصباح الَّذِي وصفه فقال: كمثل مصباح فِي مسجد. ولو جَعلت (فى)
(٢) هم غير ابن عامر وأبى بكر. أما هما فقراءتهما بالفتح. وقراءة أبى بكر هى المرادة بقوله: «وقرأه عاصم».
(٣) سقط فى ا.
(٤) ش، ب: «لذكره».
معاني القرآن للفراء
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء
أحمد يوسف نجاتي