ولقد أنزلنا إليكم آياتٍ مُبَيِّنَاتٍ ؛ مُوضِّحَات، أو : واضحات المعنى، والمراد : الآيات التي بُينت في هذه السورة، وأوضحت معاني الأحكام والحدود. وهو كلام مستأنف جيء به في تضاعيف ما ورد من الآيات السابقة واللاحقة ؛ لبيان جلالة شأنها، المقتضي للإقبال الكلي على العمل بمضمونها. وصُدر بِالْقَسَمِ الذي تُعرب عنه اللام ؛ لإبراز كمال العناية بشأنها. أي : والله، لقد أنزلنا إليكم، في هذه السورة الكريمة، آيات مبينات لكل ما لكم حاجة إلى بيانه ؛ من الحدود وسائر الأحكام، وإسناد البيان إليها : مجازي، أو : آيات واضحات تصدقها الكتب القدسية والعقول السليمة، على أن " مُبَيِّنات "، مِنْ بيَّن، بمعنى تبين، كقولهم في المثل :" قد بيَّن الصبح لذي عينين "، أي : تبين. ومن قرأها بالبناء للمفعول، فمعناه : قد بيَّن الله فيها الأحكام والحدود.
ومثلاً من الذين خَلَوا مِن قبلكم أي : وأنزلنا مثلاً من أمثال مَنْ قَبْلَكُم، من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة، والكلمات الجارية على ألسنة الأنبياء والحكماء، فتنتظم قصة عائشة - رضي الله عنها - المحاكية لقصة يوسف عليه السلام وقصة مَرْيَمَ، وسائر الأمثال الواردة في السورة الكريمة، انتظاماً واضحاً. وتخصيص الآيات البينات بالسوابق، وحمل المثل على قصة عائشة المحاكية لقصة يوسف ومريم، يأباه تعقيب الكلام بما سيأتي من التمثيلات.
و أنزلنا موعظةً للمتقين يتعظون بها، وينزجرون عما لا ينبغي من المحرمات والمكروهات وسائر ما يخُل بمحاسن الآداب، والمراد : ما وعظ به من الآيات والمثل، مثل قوله : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [ النور : ٢ ]، و لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ. . . [ النور : ١٢ ] إلخ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ [ النور : ١٧ ].
وتخصيص المتقين ؛ لأنهم المنتفعون بها، المغتنمون لآثارها، المقتبسون لأنوارها، ومدار العطف هو التَّغَايُرُ العنواني المُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التغايُرِ الذاتي. وقد خصَّت الآيات بما بيّن الأحكامَ والحدودَ، والموعظة بما وعظ به من قوله : ولا تأخذكم. . . إلى آخر ما تقدم. وقيل : المراد بالآيات المبينات والمثل والموعظة : جميع ما في القرآن المجيد من الأمثال والمواعظ والله تعالى أعلم.
قال القشيري : حامِلُ العاصي على زَلَّته، والداعي له إلى عَثْرَته، والمُعِينُ له على مخالفته، تتضاعف عليه العقوبة، وله من الوِزْرِ أكثرُ من غيره، وعكسه لو كان الأمر في الطاعة والإعانة على العبادة. هـ. ومن هذا القبيل : تعليم العلم لمن تحقق أنه يطلب به رئاسةً أو جاهاً، أو تَوَصُّلاً إلى الدنيا المذمومة، أو عَلِمَ منه قصداً فاسداً، فإن تحقق ذلك وعَلِمَه، فهو مُعين له على المعصية، كمن يعطي سيفاً لمن يقطع به الطريق على المسلمين. والله تعالى أعلم.
الإشارة : كل من أمر بالمعصية ودلَّ عليها، أو رضي فعلها، فهو شريك الفاعل في الوزر، أو أعظم. وكل من أمر بالطاعة ودلّ عليها فهو شريك الفاعل في الثواب، أو أعظم. وفي الأثر :" الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِه١ ".
قال القشيري : حامِلُ العاصي على زَلَّته، والداعي له إلى عَثْرَته، والمُعِينُ له على مخالفته، تتضاعف عليه العقوبة، وله من الوِزْرِ أكثرُ من غيره، وعكسه لو كان الأمر في الطاعة والإعانة على العبادة. هـ. ومن هذا القبيل : تعليم العلم لمن تحقق أنه يطلب به رئاسةً أو جاهاً، أو تَوَصُّلاً إلى الدنيا المذمومة، أو عَلِمَ منه قصداً فاسداً، فإن تحقق ذلك وعَلِمَه، فهو مُعين له على المعصية، كمن يعطي سيفاً لمن يقطع به الطريق على المسلمين. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي