ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

يقدر على إيقاعه والكلام هاهنا في اكراه عبد الله بن ابى على أمتيه والظاهر ان ذلك لم يكن ملجيا فلم يرتفع الإثم والله اعلم-.
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا محمد في هذه السورة جواب قسم محذوف آياتٍ مُبَيِّناتٍ قرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بالكسر على صيغة اسم الفاعل يعنى آيات بينت الاحكام والحدود او من بين بمعنى تبين يعنى واضحات تصدقها الكتب المقدمة والعقول السليمة- وقرأ الباقون بالفتح على صيغة اسم المفعول يعنى آيات بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الاحكام والحدود وَمَثَلًا مِنَ جنس أمثال الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ يعنى قصة عجيبة مثل قصصهم وهى قصة عائشة فانها كقصة يوسف ومريم- او المعنى شبيها من حالهم بحالكم ايها القاذفون ان يلحقكم مثل ما لحق من قبلكم من المفترين وَمَوْعِظَةً وعظ بها في تلك الآيات لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) فانهم هم المنتفعون بها وقيل المراد بالآيات القران وهو موصوف بالصفات المذكورة.
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ النور في الأصل كيفية يدركها الباصرة اوّلا ويدرك بها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجسام الكثيفة المحاذية لهما وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى فهو ليس على ظاهره ويدل عليه إضافته الى ضميره تعالى في قوله مثل نوره- فالمعنى اما بتقدير المضاف او على المبالغة كقولك زيد كرم اى ذو كرم او كريم غاية الكرم كانه نفس الكرم مبالغة او هو مصدر بمعنى الفاعل يعنى منور السموات والأرض بالشمس والقمر والكواكب وبالأنبياء والملائكة والمؤمنين كذا قال الضحاك ويقال منور الأرض بالنبات والأشجار وقيل معناه الأنوار كلها منه يقال فلان رحمة اى منه الرحمة- وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح يقول القائل إذا سار عبد الله من مرو ليلة- فقد سار منها نورها وجمالها- وقيل المعنى مدبرها من قولهم للرئيس الفائق في التدبير نور القوم لانهم يهتدون به في الأمور- وقيل معناه موجدها فان النور

صفحة رقم 521

ظاهر لذاته مظهر لغيره واصل الظهور الوجود كما ان اصل الخفاء العدم والله سبحانه موجود بذاته موجد لكل ما عداه- او الّذي به يدرك او يدرك أهلها من حيث انه يطلق على الباصرة لتعلقها به او لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه- ثم على البصيرة لانها افوق إدراكا فانها يدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودة والمعدومة وتغوص في بواطنها ويتصرف فيها بالتركيب والتحليل- ثم ان هذه الإدراكات لبست لاهلها لذواتها ولا لما فارقتها فهى اذن من سبب يفيضها عليه- وهو الله سبحانه ابتداء او بتوسط من الملائكة والأنبياء ولذلك سموا أنوارا ويقرب من هذا القول ما ذكر البغوي من قول ابن عباس ان معناه هادى اهل السموات والأرض فهم بنوره يعنى بهدايته الى الحق يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة ينجون فاضافته إليهما للدلالة على سعة اشراقه- او لاشتمالها على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليها وعلى المتعلق والمدلول بهما- مَثَلُ نُورِهِ اى صفة نور الله في قلب المؤمن الّذي يهتدى به الى ذاته تعالى وصفاته وتصديق ما قال مما لا يستبد في إدراكه عقول الفحول ويرى به الحق حقّا والباطل باطلا قال الله تعالى فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ قال البغوي كان ابن مسعود يقرا مثل نوره في قلب المؤمن- وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل نوره الّذى اعطى المؤمن- وقال بعضهم الضمير عائد الى المؤمن وكان ابى يقرأ مثل نور قلب من أمن وهو عبد جعل الله الايمان والقران في صدره- وقال الحسن وزيد بن اسلم أراد بالنور القران- وقال سعيد بن جبير والضحاك هو محمد صلى الله عليه وسلم- وقيل أراد بالنور الطاعة سمى طاعة الله نورا وأضاف هذه الأنوار الى نفسه كَمِشْكاةٍ وهى الكوة الّتي لا منفذ لها فان كان لها منفذ فهى الكوة- قيل هى حبشية وقال مجاهد هى القنديل والمضاف مقدر والمعنى مثل نوره كمثل نور مشكوة

صفحة رقم 522

فِيها مِصْباحٌ اى سراج مفعال من الصبح بمعنى الضوء ومنه الصبح بمعنى الفجر الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ اى في قنديل من الزجاج قال الزجاج انما ذكر الزجاجة لان النور وضوء النار فيها أبين من كل شيء وضوؤه يزيد في الزجاج وهذه الجملة صفة للمصباح والعائد المظهر الموضوع موضع المضمر ثم وصف الزجاجة بقوله الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ الجملة صفة لزجاجة والعائد فيها ايضا المظهر الواقع موضع الضمير- قرأ ابو عمرو والكسائي بكسر الدال والمد والهمزة فهو فعّيل من الدرء وقرا أبو بكر وحمزة بضم الدال والمد والهمزة وهذا الوزن شاذ قال اكثر النحاة ليس في كلام العرب فعّيل بضم الفاء وكسر العين وقال ابو عبيدة أصله فعول من دراأت مثل سبوح- ثم استثقلوا كثرة الضمات فردوا بعضها الى الكسرة كما قالوا عتيّا بضم العين من العتو- وعلى هذين القرائتين هو مشتق من الدرء بمعنى الدفع فانه يدفع الظلام بضوئه او يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه او يدفع الشياطين من السماء وشبّهه بحالة دفعة الشياطين لانه يكون في تلك الخالة أضوء وأنور ويقال هو من درأ الكوكب إذا اندفع فيتضاعف ضوؤه في ذلك الوقت وقيل درا بمعنى طلع يقال درأ النجم إذا طلع وارتفع ويقال درأ علينا فلان اى طلع وظهر
والمعنى كانها كوكب طالع وقرأ الآخرون بضم الدال وتشديد الراء والياء منسوب الى الدّر في صفائه وحسنه- فان قيل الكوكب اكثر ضوءا من الدّرّ فما وجه نسبته اليه قلنا معناه انه أضوء واحسن من سائر الكواكب كما ان الدر أضوء واحسن من سائر الحبوب- وقيل الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام وهى الرخل والمريخ والمشترى والزهرة وعطارد قلت لعل ذلك الكوكب هى الزهرة لكونها أضوء من غيرها- قيل شبه بالكوكب ولم يشبه بالشمس والقمر لان الشمس والقمر يلحقهما الخسوف والكسوف بخلاف الكواكب قلت بل وجه ذلك ان المصباح يشبّه بالشمس حيث قال الله تعالى وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً فشبّه

صفحة رقم 523

الزجاجة بالكوكب ليدل على انحطاط رتبة الزجاجة من رتبة المصباح ولو قال كانها شمس لزم فضل الزجاجة على المصباح وهو مخل بالمقصود- يُوقَدُ خبر ثان للمصباح او حال من الضمير المستكن في الظرف المستقر اعنى في زجاجة العائد الى المصباح- قرأ ابن كثير «١» وابو عمرو وابو جعفر ويعقوب بفتح الماء الفوقانية وفتح الواو والقاف المشددة والدال على صيغة الماضي من التفعل بمعنى توقد المصباح اى اتقدت يقال توقدت النار اى اتقدت والباقون على صيغة المضارع المجهول من الافعال فابوبكر وحمزة والكسائي بالتاء الفوقانية على ان الضمير راجع الى الزجاجة بحذف المضاف والتقدير توقد نار الزجاجة لان الزجاجة لا توقد- والباقون بالياء التحتانية على ان الضمير للمصباح اى يوقد المصباح مِنْ شَجَرَةٍ من للابتداء يعنى ابتداء يوقد المصباح من شجرة او للسببيّة على حذف المضاف اى من دهن شجرة- أبهم الشجرة ثم وصفها بقوله مُبارَكَةٍ ثم أبدلها وبينها بقوله زَيْتُونَةٍ تعظيما لشأنها وتفخيما لامرها لانها كثيرة البركة وفيها منافع كثيرة فان الزيت يسرج به وهو اصقى وأضوء الادهان وهو ادام وفاكهة ولا يحتاج في استخراجه الى عصّار بل كل واحد يستخرجه قال البغوي جاء في الحديث انه مصحح من الناسور وهى شجرة توقد من أعلاها الى أسفلها- ذكر البغوي عن أسيد بن ثابت او أسيد الأنصاري قال قال رسول الله ﷺ كلوا الزيت وادهنوا به فانه شجرة مباركة ورواه الترمذي عن عمر مرفوعا واحمد والترمذي والحاكم عن ابى أسيد مرفوعا ورواه ابن ماجة والحاكم وصححه عن ابى هريرة مرفوعا كلوا الزيت وادهنوا به فانه طيب مبارك- ورواه ابو نعيم في الطب عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ كلوا الزيت وادهنوا به فانه شفاء من سبعين داء منها الجذام- لا شَرْقِيَّةٍ صفة لزيتونة وحرف النفي جزء من المحمول

(١) وفي الأصل ابن ذكوان- وهو من زلة القلم- ابو محمّد عفا الله عنه.

صفحة رقم 524

قيل معناه ليس بمضحى تشرق عليها الشمس دائما فتحرقها وَلا غَرْبِيَّةٍ ولا في مقناة تغرب وتغيب عنها الشمس دائما فتتركها نيا وهو قول السدى وجماعة وقيل معناه لا شرقية تقع عليها الشمس عند طلوعها فقط ولا غربية تقع عليها الشمس عند غروبها دون طلوعها بل هى نابتة على قلة او في صحراء واسعة تقع عليها الشمس دائما فيكون ثمرها انضج وزيتها أصفى- قال البغوي وهذا كما يقولون فلان لا بأبيض ولا بأسود يريدون ليس بأبيض خالص ولا باسور خالص بل اجتمع فيه الأمران يقال هذا الرمّان ليس بحامض ولا حلواى بل اجتمع فيه الحموضة والحلاوة وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة والكلبي والأكثرين- وقيل معناه غير نابتة في مشرق الأرض ولا في مغربها بل في وسطها وهو الشام فان زيتون الشام يكون أجود- وقال الحسن ليست هذه من أشجار الدنيا ولو كانت في الدنيا كانت شرقية او غربية وانه مثل ضربه الله لنوره- قلت وعلى هذا القول لعل الله سبحانه أراد شجرة من أشجار الجنة ومثّل نوره بنور زيتون الجنة يَكادُ زَيْتُها اى دهنها يُضِيءُ بنفسه لتلألؤه وفرط وبيصه وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ يعنى قبل ان يصيبه النار هذه الجملة صفة اخرى لزيتونة وفيه مبالغة في بيان صفاء... زيت الزيتون وبياضه- وكلمة يكاد موجب لتصحيح المقال نُورُ به عَلى نُورٍ بالنار فهو نور متضاعف فان نور المصباح زاد في إنارته وصفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط مشكوة لا منفذ فيه- قال البغوي اختلف اهل العلم في معنى هذا التمثيل قال بعضهم وقع التمثيل لنور محمد ﷺ قال ابن عباس لكعب الأحبار أخبرني عن قوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ قال كعب هذا مثل ضربه الله لنبيه ﷺ فالمشكوة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيها النبوة يكاد نور محمد ﷺ وامره يتبين للناس ولو لم يتكلم انه نبى كما كان يكاد

صفحة رقم 525

ذلك الزيت ان يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور- ولنعم ما قال كعب فها انا اذكر فصلا في ظهور امر نبوته قبل ان يبعث وقبل ان يتكلم انه نبى- (فصل) (فى معجزاته الّتي ظهرت قبل بعثته صلى الله عليه وسلم) ذكر في خلاصة السير انه قالت أم النبي ﷺ رايت في المنام حين حملت به انه خرج منى نور أضاء له قصور بصرى من الشام ثم وقع حين ولدته انه لواضع.... بالأرض رافع رأسه الى السماء- وقال الحافظ ابن حجران أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته نورا أضاءت لها قصور الشام وقال صححه ابن حبان والحاكم وعند ابى نعيم في الدلائل انه ﷺ لما ولد ذكرت امه ان الملك غمسه في ماء انبعه ثلاث مرات ثم اخرج صرة من حرير ابيض فاذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة وروى البيهقي وابن ابى الدنيا وابن السكن ان ليلة ميلاده ﷺ ارتجس ايوان كسرى وسقطت منه اربع عشرة شرافة وأفزع كسرى وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغارت بحيرة سلوة- وفي حديث عائشة كان يهودىّ سكن مكة يتجر فيها قال ليلة مولد رسول الله ﷺ يا معشر قريش ولد في هذه الليلة نبىّ هذه الامة بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كانهن عرف الفرس فخرجوا باليهودى حتى أدخلوه على امه فقالوا اخرجى المولود ابنك فاخرجته وكشفوا عن ظهره فراى تلك الشامة فوقع اليهودي مغشيا عليه قالوا مالك مالك قال ذهبت والله النبوة من بنى إسرائيل- رواه الحاكم وفي المواهب اللدنية قصة عميصا الراهب كان يقول لاهل مكة يوشك ان يولد منكم يا اهل مكة مولود يدين له العرب ويملك العجم هذا زمانه- فلمّا ولد قال لعبد المطلب قد ولد لك المولود الّذي كنت احدّثكم عنه- وعن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله دعانى الى الدخول في دينك امارة لنبوتك رايتك في المهد

صفحة رقم 526

تناغى «١» القمر وتشير اليه بإصبعك فحيث أشرت اليه مال- قال كنت أحدثه ويحدثنى ويلهينى عن البكاء واسمع وجبته حين يسجد تحت العرش وعد من الخصائص ان مهده ﷺ كان يتحرك بتحريك
الملائكة- وروى انه ﷺ تكلم أوائل ما ولد- وروى ابو يعلى وابن حبان عن عبد الله بن جعفر عن حليمة مرضعة النبي ﷺ قالت لما وضعته في حجرى اقبل عليه ثدياى بما شاء «٢» من لبن فشرب حتى روى وشرب معه اخوه تعنى ضمرة وناما- وما كان ينام قبل ذلك وما كان في ثديى ما يرويه ولا في شارفنا ما يغذيه- وقام زوجى الى شارفنا تلك فنظر إليها فاذا انها لحافل فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة- ولما رجعنا ركبت أتاني وحملته عليها فو الله لقد قطعت «٣» مالا يقدر عليها شيء من حمرهم- حتى ان صواحبى ليقلن لى ويحك يا بنت ابى ذويب اربعى علينا أليس هذه أتانك الّتي كنت خرجت عليها- فاقول بلى وكانت قبل ذلك قد اذمت بالركب حتى شق عليهم ضعفا وعجفا- وعن ابن عباس قال كانت حليمة تحدث انها أول ما فطمت رسول الله ﷺ تكلم فقال الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.... فلما ترعرع «٤»

(١) تناغى اى تجادل ناغت الام صبيها لا طفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة ١٢ منه رحمه الله.
هكذا في حاشية الأصل من يد المفسر رحمه الله تعالى والغالب انه تحادث لان المناغاة المحادثة فلعله من زلة القلم ١٢ الفقير الدهلوي-
(٢) بما شاء اى بما شاء الله من لبن إلخ كذا في الزرقانى ١٢ الفقير الدهلوي.
(٣) هكذا في الزرقانى وفي الأصل فو الله تقطعت إلخ الفقير الدهلوي-
(٤) فى الأصل تزعزع بالزاءين المعجمتين وليس بشيء وفي مجمع البحار ترعرع الصبى بالرائين المهملتين إذا نشاء وكبر ١٢ الفقير الدهلوي-

صفحة رقم 527

كان يخرج فينظر الى الصبيان يلعبون فيجتنبهم الحديث- وعنه قال كانت حليمه لا تدعه يذهب مكانا بعيدا فغفلت عنه فخرج مع أخته الشيماء في الظهيرة الى البهم فخرجت حليمة تطلبه فوجدته مع أخته فقالت في هذا الحرّ فقالت أخته يا امه ما وجد أخي حرا رايت غمامة تظلّه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت معه وفي الشمائل المجدية قالت حليمة ما كنا نحتاج الى السرّاج من يوم أخذناه لان نور وجهه كان أنور من السراج فاذا احتجنا الى السراج في مكان جئنا به فتنورت الامكنة ببركته صلى الله عليه وسلم- وروى ان حليمة لمّا أخذته دخلت على الأصنام فنكس الهبل رأسه وكذا جميع الأصنام من أماكنها تعظيما له- وجاءت به الى الحجر الأسود ليقبّله فخرج الحجر الأسود من مكانه حتى التصق بوجهه الكريم صلى الله عليه وسلم- وروى انه لمّا ارضعته حليمة درّ لبنها وانهمر فكانت ترضع معه عشرة او اكثر- وكانت حليمة إذا مشت به على واد يابس اخضر في الوقت- وكانت تسمع الأحجار تنطق بسلامها عليه والأشجار تحن بأغصانها اليه- وكان النبي ﷺ يخرج.... هو واخوه يرعيان الغنم فقال اخوه ان أخي الحجازي إذا وقف بقدميه على الوادي يخضر لوقته- وإذا جاء الى البئر ونحن نسقى الأغنام يعلو الماء الى فم البئر وإذا قام في الشمس ظلته الغمامة- وتأتى الوحوش اليه وهو قائم فتقبّله- وفي خلاصة السير أن مرضعة النبي ﷺ قالت بينما هو في بهم لنا إذ جاء اخوه يشتد فقال أخي القرشي قد اخذه رجلان عليهما ثياب بيض فاضجعاه فشقا بطنه قالت فخرجنا نحوه فوجدناه قائما متقنعا وجهه فالتزمناه وقلنا مالك- قال جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض فاضجعانى فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدرى ما هو- وفي رواية من حديث شداد بن أوس عند ابى يعلى وابى نعيم وابن عساكر فاذا انا برهط ثلاث

صفحة رقم 528

معهم طست من ذهب ملئى ثلجا فعمد أحدهم فاضجعنى على الأرض ثم اخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فانعم غسلها ثم أعادها مكانها- ثم قام الثاني واخرج قلبى وانا انظر اليه فصدعه ثم اخرج منه مضغة سوداء فرمى به- ثم قال بيده يمنة ويسرة كانه يتناول شيئا فاذا بخاتم في يده من نور يحار الناظر دونه- فختم به قلبى فامتلا نورا وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاد مكانه فوجدتّ برد ذلك الخاتم في قلبى دهرا- ثم قال الثالث لصاحبه تنح فامرّ يده بين مفرق صدرى الى منتهى عانتى فالتام ذلك الشق- وفي حديث انس قال لقد كنت ارى اثر المخيط في صدره صلى الله عليه وسلم- واخرج ابن عساكر ان أبا طالب حين أقحط الوادي استسقى ومعه النبي ﷺ وهو غلام فاخذ ابو طالب النبي ﷺ والصق ظهره بالكعبة ولاذ النبي ﷺ بإصبعه وما في السماء قزعة- فاقبل السحاب من هاهنا وهاهنا واغدق واغدق وانفجر له الوادي- وفي ذلك قال ابو طالب شعر

وابيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للارامل «١»
وفي خلاصة السير انه لمّا بلغ رسول الله ﷺ اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه ابى طالب الى الشام فلما بلغ بصرى راه بحيرا الراهب فعرفه بصفته فجاء فاخذ بيده وقال هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين- فقيل وما علمك بذلك قال انكم أقبلتم من العقبة فلم يبق حجر ولا شجر إلا خرّ ساجدا ولا يسجد ان الا للنبى وانا نجده في كتبنا- وقال لابى طالب لئن قدمت به الشام ليقتلنه اليهود فرده خوفا عليه- ثم خرج النبي ﷺ مرة ثانية الى الشام وهو ابن خمسة وعشرين سنة مع ميسرة غلام خديجة في تجارة لها قبل ان يتزوجها-
(١) اى المساكين من الرجال والنساء- وهو بالنساء أخص الّتي مات زوجها- منه رح.

صفحة رقم 529

فلما قدم الشام نزل تحت ظلّ شجرة قريبا من صومعة راهب فاطلع الراهب الى ميسرة فقال من هذا الرجل قال ميسرة رجل من قريش من اهل الحرم فقال ما نزل تحت هذه الشجرة قط الا نبى- وفي بعض الروايات ان الراهب دنا الى النبي ﷺ وقال امنت وانا اشهد انك الّذي ذكره الله في التورية فلما راى الخاتم قبّله وقال اشهد انك رسول الله النبي الأمي الهاشمي العربي المكي صاحب الحوض والشفاعة ولواء الحمد وقيل ان ميسرة قال كان إذا كانت الهاجرة واشتد الحرّ نزل ملكان يظلانه من حر الشمس وهو يسير على بعيره- ولما سمعت خديجة ذلك من ميسرة اشتاقت الى ان يتزوجها صلى الله عليه وسلم-
فائدة
قال السهيلي في توجيه قول الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط الا نبى انه يريد ما نزل تحتها هذه الساعة ومبنى قوله هذا بعد العهد بالأنبياء واستبعاد بقاء الشجرة تلك المدة الطويلة واستبعاد وجود شجرة على الطريق تخلو من ان ينزل تحتها أحد قط لكن لفظة قط في الخبر يمنع هذا التوجيه- ولا شك ان المعجزات انما تكون بخرق العادات فلا وجه للاستبعاد فان الله قادر على ابقاء الشجرة وصرف الناس عن النزول تحتها زمانا طويلا على خلاف العادة والله اعلم- رجعنا الى التفسير روى سالم عن ابن عمر في هذه الاية قال المشكوة جوف محمّد ﷺ والزجاجة قلبه والمصباح النور الّذي جعل الله فيه لا شرقية ولا غريبة اى لا نصرانى ولا يهودى توقد من شجرة مباركة يعنى ابراهيم عليه السّلام نور على نور نور قلب ابراهيم على نور قلب محمّد ﷺ وقال محمد بن كعب القرظي المشكوة ابراهيم والزجاجة إسماعيل والمصباح محمد ﷺ سماه الله مصباحا كما سماه سراجا حيث قال وسراجا مّنيرا- توقد من شجرة مباركة وهى ابراهيم

صفحة رقم 530

عليه السّلام سماه مباركا لان اكثر الأنبياء من صلبه لا شرقية ولا غربية يعنى ابراهيم لم يكن يهوديّا ولا نصرانيّا ولكن كان حنيفا مسلما لان اليهود يصلّون قبل المغرب والنصارى قبل المشرق- يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار يكاد محاسن محمد ﷺ تظهر للناس قبل ان يوحى اليه نور على نور نبى من نسل نبى نور محمد على نور ابراهيم عليهما الصلاة والسّلام- وقال بعضهم وقع هذا التمثيل لما نور به قلب المؤمن من العلوم والمعارف بنور المشكوة المثبت فيها من مصباحها ويؤيده قراءة أبيّ وابن مسعود روى ابو العالية عن ابى بن كعب قال هذا مثل المؤمن فالمشكوة نفسه والزجاجة صدره والمصباح ما جعله الله من الايمان والقران في قلبه يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ وهى الإخلاص لله وحده فمثله كمثل الشجرة الّتي التفت بها الشجر وهى خضراء ناعمة لا يصيبها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت- وكذلك المؤمن قد احترس من ان يصيبه شيء من الفتن فهو بين اربع خلال إذا اعطى شكر وإذا ابتلى صبر وإذا حكم عدل وإذا قال صدق- يكاد زيتها يضئ اى يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل ان يتبين له لموافقته إياه نور على نور قال ابى وهو ينقلب بين خمسة أنوار قوله نور وعلمه نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره الى النور يوم القيامة- وقال ابن عباس هذا مثل نور الله وهذا في قلب المؤمن يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى فاذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور قلت يعنى قلب الصوفي ينشرح بالحق قولا وفعلا واعتقادا فيقبله وينقبض بالباطل فلا يقبله ومن ثم قال رسول الله ﷺ استفت نفسك وان أفتاك المفتون- رواه البخاري في التاريخ عن وابصة بسند حسن فاذا جاءه العلم بالكتاب والسنة ازداد هدى ويقينا وقال الكلبي يعنى ايمان المؤمن وعمله وقال السدى نور الايمان ونور القران- وقال الحسن وابن زيد هذا مثل للقران فالمصباح

صفحة رقم 531

هو القران فانه كما يستضاء بالمصباح يهتدى بالقران والزجاجة قلب المؤمن والمشكوة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحى يكاد زيتها يضئ اى يكاد حجة القران يتضح وان لم يقرأ- يعنى القران نور من الله عزّ وجلّ لخلقه مع ما اقام لهم من الدلالات والاعلام قبل نزول القران فازدادوا بذلك نورا على نور- وقيل هو تمثيل للهدى الّذي دل عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة- او تشبيه للهدى من حيث انه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح وانما دخل الكاف على المشكوة لاشتمالها عليه- او تمثيل لما منح الله على عباده من القوى الدراكة الخمس المترتبة الّتي ينط بها المعاش والمعاد وهى الحساسة الّتي يدرك المحسوسات بالحواس الخمس والخيالة الّتي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت- والعاقلة الّتي تدرك الحقائق الكلية والمتفكرة الّتي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم مالم يعلم والقوة القدسية الّتي يتجلى فيها لوائح الغيب واسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء المعنيّة بقوله
تعالى وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا بالأشياء الخمسة المذكورة في الاية وهى المشكوة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت- فان الحساسة كالمشكوة لان لها محلها كالكوى ووجهها الى الظاهر لا يدرك ما وراءها واضاءتها بالمعقولات لا بالذات- والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها للانوار العقلية وانارتها بما يشتمل عليها من العاقلة- والعاقلة كالمصباح لاضاءتها بالإدراكات الكلية والمعارف الالهية- والمتفكرة كالشجرة المباركة لتأديتها الى ثمرات لا نهاية لها الزيتونة المثمرة للزيت الّذي هو مادة المصباح الّتي لا تكون شرقية ولا غربية لتجردها عن اللواحق الجسمية او لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة

صفحة رقم 532

فى القبيلتين منتفعة من الجانبين- والقوة القدسية كالزيت فانها لصفائها وذكائها يكاد يضئ بالمعارف من غير تفكر ولا تعلم- او تمثيل للقوة العقلية فانها في بدء أمرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكوة ثم تنتقش بالعلوم الضرورية بتوسط احساس الجزئيات بحيث يتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلالية في نفسها...... فاذا حصل له العلوم فان كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة وان كان بالحدث فكالزيت وان كان لقوة قدسية فكالذى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ لانها تكاد تعلم ولو لم يتصل بملك الوحى والإلهام الّذي مثله النار من حيث ان العقول تشتعل عنها- ثم إذا حصلت لها العلوم بحيث يتمكن من إحضارها متى شاءت كان كالمصباح فاذا استحضرها كان نورا على نور ولى في هذه الاية تأويلان آخران مبتنيان على كشف المجدد للالف الثاني رضى الله عنه أحدهما اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يعنى موجدها ومظهرها من كتم العدم في الخارج الظلي مثل نوره اى وجوده الّذي انبسط على ماهيات الممكنات- والاضافة للتشريف كما في بيت الله وناقة الله او لانه صادر منه كما يقال نور الشمس والقمر لما انبسط على الأرض من النور لاجل مقابلتهما كمشكوة اى كنور مشكوة على حذف المضاف فيها مصباح تنورت المشكوة بذلك المصباح فكما ان المشكوة استفادت النور وتنورت بالمصباح كذلك ماهيات الممكنات استفادت نور الوجود ووجدت بمصباح صفات الله سبحانه وأسمائه الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ نعت الله سبحانه المصباح بكونها في الزجاجة لكمال التصوير- فان المجدد رضى الله عنه قال ان مبادى تعينات عامة الممكنات (سوى الأنبياء والملائكة) ظلال الأسماء والصفات وذلك ان الله سبحانه كما يعلم صفات كماله كذلك يعلم نقائضها الّتي هى مسلوبة عنه تعالى كالموت نقيض الحيوة والجهل نقيض العلم والعجز نقيض القدرة والصمم نقيض السمع والعمى نقيض البصر والبكم نقيض الكلام والجبر نقيض الارادة

صفحة رقم 533

والتعطل نقيض التكوين- وإذا اجتمعت في مرتبة العلم صفاته تعالى مع نقائضها انتقشت وتلونت صور تلك النقائض بعكوس الصفات فصارت مخلوطات حقائقها الاعدام وعوارضها عكوس الصفات- فتلك المخطوطات تسمى في اصطلاح الصوفية بظلال الصفات والأعيان الثابتة في مرتبة العلم ومبادى تعينات الممكنات وحقائقها ومربيات لها وهى كالزجاجة الّتي تنورت بنور المصباح والظرفية من حيث التجلّى فان الصفات تجلّت في الظلال.... فتنوّرت الظلال بانوارها كما ان الزجاجة تنوّرت بنور المصباح الكائن فيها والظلال تجلّت واعطت نورها المقتبس من الصفات على ماهيات الممكنات- فتنوّرت ووجدت وظهرت الماهيات بنور الظلال كما ان المشكوة تنورت بنور الزجاجة المقتبس من المصباح- قال رسول الله ﷺ حجابه النور لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه رواه مسلم في حديث ابى موسى لعل المراد بالنور في هذا الحديث هى مرتبة الظلال وسبحات الوجه صفات الله سبحانه- فان ماهيات الممكنات لدنو رتبتها وضعف استعداداتها غير صالح للاقتباس عن الصفات من غير توسط الظلال فلولاها لانعدم الممكنات بأسرها- لكن الأنبياء والملائكة لقوة استعداداتهم اقتبسوا من الصفات كما ان الظلال اقتبسوا منها ولاجل ذلك خلقوا معصومين لانعدام الشر في أصولهم الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يعنى انها لا معة بانوار المصباح بحيث تشتبه بالمصباح على الناظرين حتى لا يكادون يميزون بينها وبين المصباح قال الشاعر

رق الزجاج ورقت الخمر فتشابها وتشاكل الأمر
فكانّما خمر ولا زجاج وكانّما زجاج ولا خمر
ومن أجل هذا التشابه والتشاكل بين الظلال والصفات زعم كثير من العرفاء (وهم الصوفية الوجودية) الظلال صفات لله تعالى ولم تتميّز عندهم

صفحة رقم 534

المرتبتان وقالوا الصفات عين الذات- وزعموا ماهيات الممكنات عين ما يتجلّى فيها من مربياتها- فقالوا ليس في الكون الا الله وليس في جبتى سوى الله وقال شاعرهم شعر

لا ملك سليمان ولا بلقيس ولا آدم في الكون ولا إبليس
والكل صور وأنت المعنى يا من هو للقلوب مقناطيس
وما هى الا هفوات نشات من السكر وغلبة العشق فلم يتميزوا بين المتجلّى وبين ما تجلّى فيه رحمهم الله- يوقد ذلك المصباح من شجرة مّبركة زيتونة يعنى من زيتها اعلم ان الصفات تنوّرت اى وجدت وظهرت في الخارج الحقيقي بذات الله سبحانه فهى ممكنة في نفسها واجبة بذات الله تعالى وهى من جهة إمكانها مربيات لتعينات الأنبياء والملائكة وهى موجودة بوجود قديم مستفاد من الذات فالذات شبّهت بشجرة مّباركة زيتونة- ولاجل ذلك نعتت الشجرة بكونها لا شرقية ولا غربية لمتنزه الذات عن جميع الجهات- وهذه الصفات الّتي شبّهت بالمصباح زائدة على الذات على ما هو مستفاد من الكتاب والسنة وعليه انعقد اجماع اهل الحق من الامة- واما قول الأشعري انها لا عين الذات ولا غيرها معناه انها زائدة على الذات فليست عينها غير منفكة عنها وهو المعنى بلا غيرها وأنكر الفلاسفة والمعتزلة الصفات الزائدة وقالوا لو كانت الصفات غير الذات زائدة عليها لزم احتياج الذات إليها في ترتب الآثار- فقال المتكلمون الممتنع الاحتياج الى شيء اجنبى واما الاحتياج الى الصفات فغير ممتنع- وقال المجدد رضى الله عنه ان صفات الله تعالى الزائدة على الذات موجودة في الخارج على ما اقتضته الحكمة الخفية ودلت عليه النصوص والإجماع لكن ذاته تعالى في حد ذاته مستغن عن الصفات غير محتاجة إليها في ترتب الآثار حتى لو فرضنا عدم الصفات لكفى الذات في ترتب الآثار- فالذات كاف

صفحة رقم 535

فى الاستماع ولو فرضنا عدم زيادة وصف السمع وكذلك كاف في الابصار ونحو ذلك فالذات باعتبار انها صالحة لترتب اثار الاستماع تسمى شأن السمع واعتباره وباعتبار انها صالحة للابصار تسمى شأن البصر وهكذا فالشيون اصول للصفات كما ان الصفات اصول للظلال- وهذه الاعتبارات والشيون الكائنة في الذات شبيهة بالزيت في الشجرة المباركة الزيتونة فتم التشبيه بقوله تعالى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ حيث جاز ترتب الآثار على اعتبارات الذات ولو لم تكن هناك صفات شبيهة بنار المصباح- نور على نور- يعنى نور المصباح المنور للزجاج والمشكوة زائد على نور زيت الشجرة كما ان نور الصفات في ترتب الآثار عليها واضاءة الماهيات وإيجاد الممكنات زائد على نور اعتبارات في الذات يهدى اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ يعنى لا يعلم هذه المعارف الخاصة الا من يشاء الله من خواص العرفاء والله اعلم- وعلى هذا التأويل في هذه الاية اشارة الى الإيجاد والولادة الاولى من كتم العدم الى الوجود الخارجي الظلي المستلزم لا قربية الذات بسائر الموجودات عامة المكنى بقوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وقد ذكرنا تحقيق الاقربية في تفسير تلك الاية في سورة قاف-
والتأويل الثاني
على ما قاله السلف الله نور السّموت والأرض اى هادى اهل السموات والأرض فهو بنوره يهتدون الى معرفة الذات والصفات ويرتقون الى مدارح القرب الخاص المكنى عنه بقوله تعالى قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وقوله تعالى الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وقوله عليه السّلام حكاية عن الله سبحانه لا يزال عبدى يتقرب الىّ بالنوافل حتى أجبته فاذا أجبته كنت سمعه الّذي يسمع به الحديث- وهذا القرب هو المسمى بالولاية الخاصة مثل نوره في قلب المؤمن كمشكوة اى كنور مشكوة فيها مصباح فالمشكوة حينئذ مثال لقلب المؤمن والمصباح الموقد من شجرة مباركة

صفحة رقم 536

زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار شبيه بما يتجلّى في قلب المؤمن من صفات الله سبحانه المنشعبة من الذات المندمج فيها الشيون والاعتبارات الذاتية على ما مرّ تقريره- وقوله الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ اشارة الى ان عامة الناس من الأولياء ليس حظهم من تجليات الصفات الا من وراء حجب الظلال فان مبادى تعينات غير الأنبياء انما هى ظلال الصفات ففاية ارتقائهم بالاصالة الى أصولهم وهى الظلال الّتي يقتبسون بتوسطها أنوار الصفات فيحصل لهم فيها الفناء والبقاء ويتقربون الى الله بقرب يسمى ولاية الأولياء وهى الولاية الصغرى لكن بعض الآكلين منهم قد يحصل لهم الترقي من هذا المقام بتبعية صاحب الشريعة الى مقام الصفات بل الى الشيون والاعتبارات ويحصل فيها الفناء والبقاء فمقام الصفات من حيث الظهور يعنى من حيث قيامها بالذات يسمى الولاية الكبرى ولاية الأنبياء ومن حيث البطون يسمى الولاية العليا ولاية الملائكة- ثم الصديقون منهم (وهم ثلّة من الاوّلين يعنى اصحاب رسول الله ﷺ وقليل من الآخرين) يرتقون من مقام الصفات والشيون الى مرتبة الذات المتعالي من الشيون والاعتبارات حتى يتجلّى الذات بلا حجب الصفات والاعتبارات فتبارك الله رفيع الدرجات- وليس في هذه الاية اشارة الى الفريقين الأخيرين غير ان قوله تعالى نُورٌ عَلى نُورٍ جاز ان يكون اشارة الى تفاوت درجات الأولياء في مراتب وصولهم الى الله تعالى- يعنى ان هناك نور على نور بعضها فوق بعض يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ على حسب ما شاء عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ان الله خلق خلقه في ظلمة فالقى عليهم من نوره فمن أصاب من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ فلذلك أقول جف القلم على علم الله- رواه احمد والترمذي

صفحة رقم 537

يعنى خلق الله خلقه في ظلمة اى جهل وضلال ناش من العدم الذاتي الكائن في مبادى تعيناتهم فالقى عليهم من نوره اى من النور الّذي اقتبس الظلال من الصفات فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن اخطأه ضل وطريق الاصابة ان يقتبس ذلك النور ممن بعثه الله رحمة للعالمين وشرح صدره وملأ قلبه نورا وحكمة وايمانا ويجعل قلبه مرءاة لقلبه عليه السّلام فيتنور قلبه بقدر الاقتباس والاقتفاء فمنهم من اكتسب صورة الايمان ونجا من الكفر في الدنيا والنيران في الاخرة ومنهم من اكتسب حقيقة الايمان على تفاوت الدرجات ومنهم من لم يقتبس أصلا فاخطأه النور وضلّ- عن ابى عنبسة قال قال رسول الله ﷺ ان لله تعالى آنية من اهل الأرض وانية ربكم قلوب عباد الله الصالحين واحبّها اليه ألينها وأرقها- رواه الطبراني وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ يعنى يبين في القران للامور الّتي لا سبيل للحواس إليها بالأمثال المحسوسة ليحصل للناس بها علم ويزداد وضوحا- وجاز ان يكون معنى الاية ان الله يرى أولياءه في عالم المثال أمثالا لما لا مثل له حتى يتبين لهم الحق- وذلك ان القرب الى الله سبحانه ثابت بالكتاب والسنة لا يزال العبد يتقرب اليه بالنوافل لكن ذلك القرب امر غير متكيف لا يمكن دركه بالحواس ولا بالعقل ولا يتعلق به علم حصولى ولا حضورى ولكن يدرك بعلم مفاض من الله تعالى سوى ما ذكر وهو المكنى بقوله حتى كنت سمعه الّذي يسمع به- وجعل الله تعالى لدركه وجها اخر وهو ان الأمور الّتي لا مثل لها يتمثل في عالم المثال بصورة الأجسام فيرى الصوفي في عالم المثال دائرة للظلال ودائرة للصفات ونحو ذلك- وكلّما يتقرب العبد الى الله بالنوافل والانابة والاجتباء يرى الصوفي نفسه سائرا الى دائرة الظلال حتى يصلها
ويضمحل فيها ويتلون بلونها- ثم يرى نفسه سائرا الى الصفات حتى يصلها ويضمحل فيها ويتلون بلونها- وذكر التلون انما هو لقصور العبارة والّا فلا لون هناك قال الله تعالى

صفحة رقم 538

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية