وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ على الزنا.
فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ لهن، والوزرُ على المكرِه. قرأ ابن ذكوان بخلاف عنه: (إِكْرَاهِهِنَّ) بالإمالة.
...
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤).
[٣٤] وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ مفصَّلات بالحلال والحرام، والحدود والأحكام. قرأ، ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مُبيِّنَاتٍ) بكسر الياء، والباقون: بفتحها (١).
وَمَثَلًا مِنَ أمثال الَّذِينَ خَلَوْا مضوا.
مِنْ قَبْلِكُمْ يعني: ما ذكر من قصص القرون الماضية.
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الشرك والكبائر، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحقَ مَنْ قبلهم من المكذبين.
...
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥).
[٣٥] اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: صاحب نورهما،
ونورُهما: الشمس والقمر، المعنى: هو هادٍ مَنْ فيهما بنوره.
مَثَلُ نُورِهِ أي: صفة نور الله في قلب المؤمن كَمِشْكَاةٍ [هي الكوة في الجدار غير نافذة، روي أن المراد بالنور الثاني هنا: محمد - ﷺ -، وقوله: (مَثَلُ نُورِهِ)؛ أي: نور محمد إذ كان مستودعًا في الأصلاب، وقيل: إن المشكاة هندية معربة. قرأ الدوري عن الكسائي: (كَمِشْكَاةٍ)] (١) بالإمالة (٢) فِيهَا مِصْبَاحٌ سراج ضخم، والمعنى: مثل مصباح في مشكاة الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ في قنديل، مثل بها؛ لأن النور فيها أشد، ثم شبه القنديل بالكوكب فقال: الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ قرأ أبو عمرو، والكسائي: (دِرِّيءً) بكسر الدال مع المد والهمزة من الدَّرْء، وهو الدفع؛ لأن الكوكب يدفع الشيطان من السماء، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: بضم الدال والمد والهمز، بمعنى: أن الكوكب يدفع الظلام بضيائه، وقرأ الباقون: بضم الدال وتشديد الياء من غير مد ولا همز (٣)؛ أي: شديد الإنارة، نُسب إلى الدُّر في صفائه وحسنه، وإن كان (٤) الكوكب أكثر ضوءًا من الدر، لكنه يفضل الكواكب بصفائه؛ كما يفصّل الدرُّ سائرَ الحب.
يُوقَدُ قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بتاء مفتوحة وفتح الواو والدال وتشديد القاف على الماضي؛ أي: توقد المصباح، وقرأ
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥٢).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
(٤) "كان" ساقط من "ش".
نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: بياء مضمومة وإسكان الواو وتخفيف القاف ورفع الدال على التذكير مجهول مستقبل؛ [أي: يوقد المصباح، وقرأ الباقون، وهم: حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بضم التاء والدال مع التخفيف على التأنيث مجهول مستقبل] (١) (٢)؛ أي: توقد الزجاجة؛ أي: نارها؛ لأن الزجاجة لا توقد.
مِنْ شَجَرَةٍ أي: زيت شجرة مُبَارَكَةٍ كثيرة النفع؛ لأن دهنها الزيت، فهو إدام وفاكهة ومصحة من الباسور زَيْتُونَةٍ.
قال رسول الله - ﷺ -: "كلوا الزيت وادَّهِنوا بالزيت؛ فإنه من شجرة مباركة" (٣).
لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ بل بينهما؛ كالشام وأجودُ الزيتون زيتونهُ.
وقال ابن عباس وغيره: معناه أنها في منكشف من الأرض؛ لتصيبها عين (٤) الشمس طول النهار، وتستدير عليها، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية وغربية، تأخذ حظها من الأمرين، فيكون زيتها أضوأ (٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٣) رواه الترمذي (١٨٥١) كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في أكل الزيت، وابن ماجه (٣٣١٩)، كتاب: الأطعمة، باب: الزيت، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
(٤) "عين" ساقطة من "ت".
(٥) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٠١)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ١٩٦).
فتح الرحمن في تفسير القرآن
أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي
نور الدين طالب