ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

(وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)
يذكر الله تعالى في هذه الآية أنه أنزل في القرآن الكريم ثلاثة أمور.
أولها: (آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ)، أي آيات مبينة للأحكام الشرعية في الأسرة والمجتمع الإسلامي والعلاقات الإنسانية بين المسلمين وغيرهم، ففيها الآيات المكونة للأسرة من زواج وأحكام أولاد، وحقوق للزوجين في أثناء قيام الحياة الزوجية وانتهائها، وحقوق المرأة وحقوق الرجل، ثم فيها ما شُرع حماية للأسرة.
والأمر الثاني: (وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ)، أي من أمثال الذين خلوا من قبلكم، و " مثل " هنا مفرد يدل على الجمع ما دام غير معين، وهو القصص الحكيم الذي كان فيه العبر، كما قال تعالى: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ...).

صفحة رقم 5191

والأمر الثالث: الموعظة - ببيان عقاب الذين يفسدون المجتمع الإسلامي، فذكر من قبل القصاص الذي تكون فيه المساواة بين الجريمة والعقوبة، وساق سبحانه القول في ذلك سوقا حكيما، ثم عقاب الذين يفسدون النسل، والذين يشيعون الفاحشة في الذين أسلموا، ففي كل هذا وعقوباته عظات لأولي الألباب يتعظ بها المتقون الذين يخافون عقابه ويرجون ثوابه، أما الذين لَا يتقون الله ولا يرجون ما عنده، فالسياط تكوي ظهورهم، والسيوف تقطع رقابهم، كما قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ...).
* * *
نور الله ومساجده
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)
* * *

صفحة رقم 5192

النور في لغة العرب ضد الظلام وهو الذي يضيء للأبصار فترى الأشياء وتميز بينها، وقد أطلق على سبيل المجاز على ما يميز بين المعاني فيفرق بين الحق والباطل، ولذا وصف به القرآن الكريم، فقال تعالى: (... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نورًا مُّبِينًا)، وقال تعالى في وصف الكتاب: (... وَالْكِتَابِ الْمُنيرِ)، وسمي النبي - ﷺ - نورًا فقال تعالى: (... قَدْ جَاءَكم مِّنَ اللَّهِ نَورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ).
وأطلق على التدبير المحكم، فيقال في مدح الملوك: الملك نور هذا البلد، وعلى رب البيت أنه نور البيت. وفي كل هذه الأمثلة يكون النور معنويا فاصلا بين الحق والباطل، والسديد وغير السديد، وعلى هذا نذكر معاني قوله تعالى:

صفحة رقم 5193

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية