ثم يقول الحق سبحانه :
ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين ( ٣٤ ) :
المعنى : لا عذر لكم، لأن الله تعالى قد أنزل إليكم الآيات الواضحة التي تضمن لكم شرف الحياة وطهارتها ونقاء نسل الخليفة لله في الأرض، وهذه الآيات ما تركت شيئا من أقضية الحياة إلا تناولته وأنزلت الحكم فيه، وقد نلتمس لكم العذر لو أن في حياتكم مسألة أو قضية ما لم يتناولها التشريع ولم ينظمها.
لذلك يقول سيدنا الإمام علي- رضي الله عنه- عن القرآن : فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله١.
ولا يزال الزمان يثبت صدق هذه المقولة، وانظر هنا وهناك لتجد مصارع الآراء والمذاهب والأحزاب والدول التي قامت لتناقض الإسلام، سواء كانت رأسمالية شرسة أو شيوعية شرسة. إلخ. كلها انهارت على مرأى ومسمع من الجميع.
نعم، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، لأنه خالقك، وهو أعلم بما يصلحك، فلا يليق بك- إذن- أن تأخذ خلق الله لك ثم تتكبر عليه وتضع لنفسك قانونا من عندك أنت.
وسبق أن قلنا : إن الآيات تطلق على ثلاث إطلاقات : الآيات الكونية التي تلفتك إلى الصانع المبدع عز وجل، وعلى المعجزات التي تأتي لتثبت صدق الرسول في البلاغ عن الله، وتطلق على الآيات الحاملة للأحكام وهي آيات القرآن الكريم، وفي القرآن هذا كله.
وقوله تعالى : ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين ( ٣٤ ) [ النور ] :
أي : جعلنا لكم موعظة وعبرة بالأمم السابقة عليكم، والتي بلغت شأوها في الحضارة، ومع ذلك لم تملك مقومات البقاء، ولم تصنع لنفسها المناعة التي تصونها فانهارت، ولم يبق منهم إلا آثار كالتي نراها الآن لقدماء المصريين، وقد بلغوا من الحضارة منزلة أدهشت العالم المتقدم الحديث، فيأتون الآن متعجبين : كيف فعل قدماء المصريين هذه الحضارة ؟
وكان أعظم من حضارة الفراعنة حضارة عاد التي قال الله عنها : ألم تر كيف فعل ربك بعاد ( ٦ ) إرم ذات العماد ( ٧ ) التي لم يخلق مثلها في البلاد ( ٨ ) [ الفجر ] : يعني : ليس لها مثيل في الدنيا وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ( ٩ ) وفرعون ذي الأوتاد ( ١٠ ) الذين طغوا في البلاد ( ١١ ) فأكثروا فيها الفساد ( ١٢ ) فصب عليهم ربك سوط عذاب ( ١٣ ) إن ربك لبالمرصاد ( ١٤ ) [ الفجر ] : يعني : لن يفلت من المخالفين أحد، ولن ينجو من عذاب الله كافر.
والمثل كذلك في مسألة الزنا وقذف المحصنات العفيفات، كحادثة الإفك التي سبق الكلام عنها، وأنها كانت مثلا وعبرة، كذلك كانت قصة السيدة مريم مثلا وقد اتهمها قومها، وقالوا : يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ( ٢٨ ) [ مريم ].
وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام وامرأة العزيز، وكلها مسائل تتعلق بالشرف، ولم تخل من رمي العفيفات المحصنات، أو العفيف الطاهر يوسف بن يعقوب عليهما السلام.
وهذه الآيات مبينات للوجود الأعلى في آيات الكون، مبينات لصدق المبلغ عن الله في المعجزات، مبينات للأحكام التي تنظم حركة الحياة في آيات القرآن، ثم أريناهم عاقبة الأمم السابقة سواء من أقبل منهم على الله بالطاعة، أو من أعرض عنه بالمعصية، ولا يستفيد من هذه المواعظ والعبر إلا المتقون الذين يخافون الله وتثمر فيهم الموعظة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي