(مشكاة الأنوار)، وكلامه فيه يدور على أن معنى اسمه تعالى «النور» : يرجع إلى ما ثبتت به الأشياء وظهرت من العدم، ولذلك قال قائلهم:
| فَالنُّورُ يُظْهِرُ مَا تَرَى مِنْ صُورَةٍ | وبه ظهور الكَائِنَاتِ بِلاَ امْتِرَاءِ |
ثم ذكر محل ظهور ذلك المصباح، فقال:
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٦ الى ٣٨]
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)
قلت: (في بيوت) : يتعلق بمشكاة، أي: كائنة في بيوت، أو توقد، أو بيسبح، أي: يسبح له رجال في بيوت، وفيه تكرير لزيادة التأكيد، نحو: زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف، أي: سبّحوا في بيوت. و (أَذِنَ) : نَعْتٌ له.
يقول الحق جلّ جلاله: وذلك النور الذي في المشكاة يكون فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، وهي المساجد والزوايا المُعدَّة لذكر الله والصلاة وتلاوة القرآن. ورفعها: تعظيمها. أي: التي أمر الله بتعظيمها كتطهيرها من الخبث، وتنقيتها من القذى، وتعليق القناديل ونصب الشموع، ويزاد التعظيم في شهر رمضان. ومن تعظيمها:
غلقها في غير أوقات الصلاة، وقيل المراد برفعها: بناؤها، كقوله تعالى:.. بَناها رَفَعَ سَمْكَها.. «١»، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ «٢»، والأول أصح.
وَأذن أيضاً أن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وهو عام في جميع الذِّكْر، مفرداً أو جماعة، ويدخل فيه تلاوة القرآن. يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أي: يصلي له فيها بالغداة: صلاة الفجر، والآصال: صلاة الظهر
(٢) من الآية ١٢٧ من سورة البقرة.
والعصر والعِشَاءين. وإنما وَحَّد الغدو لأن صلاته صلاة واحدة، وفي الآصال صلوات، وهو جمع أصيل، وفاعل «يُسَبِّحُ» : رجال. ومن قرأ بفتح الباء «١»، فأسنده إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: (له فيها بالغدو). و «رجال» :
مرفوع بمحذوف، دل عليه يُسَبِّحُ أي: يسبحه رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ: لا تشغلهم تِجارَةً في السفر، وَلا بَيْعٌ في الحضر، عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ باللسان والقلب، وقيل: التجارة: الشراء، أي: لا يشغلهم شراء ولا بيع عن ذكر الله، والجملة: صفة لرجال، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، مفيدة لكمال تَبَتُّلِهِمْ إلى الله تعالى، واستغراقهم فيما حكى عنهم من التسبيح من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم.
وتخصيصُ التِّجَارَةِ بالذكر لكونها أقوى الصوارف عندهم وأشهرها، أي: لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة، ولا فرد من أفراد البياعات، وإن كان في غاية الربح. وإفراده بالذكر، مع اندراجه تحت التجارة لأنه ألهى لأن ربحه متيقن ناجز في الغالب، وما عداه متوقع في ثانى الحال.
وَلا يشغلهم ذلك أيضاً عن إِقامِ الصَّلاةِ أي: إقامتها لمواقيتها من غير تأخير، وأصله: وإقامة، فأسقطت التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإعلال، وعوض عنها الإضافة، فأقيمت الإضافة مقام التاء، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ أي: وعن إيتاء الزكاة، وذكرها، وإن لم يكن مما تفعل في البيوت، لكونها قرينتها لا تفارق إقامة الصلاة في عامة المواضع، مع ما فيه من التنبيه على أن مَحَاسِنَ أعمالهم غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فيما يقع في المساجد.
والمعنى: لا تجارة لهم حتى تلهيهم، أو يبيعون ويشترون ويذكرون الله مع ذلك، لا يشغلهم عن ذكر الله شيء، وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها مسرعين. يَخافُونَ يَوْماً أي: يوم القيامة تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ أي: تضطرب وتتغير من الهول والفزع، وتبلغ إلى الحناجر، وَتتقلب الْأَبْصارُ بالشخوص أو الزرقة. أو تتقلب القلوب إلى الإيمان بعد الكفران، والأبصار إلى العيان بعد النكران، كقوله: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ «٢».
يفعلون ذلك الاستغراق في التسبيح والذكر، مع الخوف لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا أي: أحسن جزاء أعمالهم، حسبما وعدهم بمقابلة حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي: يتفضل عليهم بأشياء وعدهم بها، لم تخطر على بال كالنظر إلى وجهه، وزيادة كشف ذاته، فهو كقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ «٣». وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي: يثيب من يشاء ثواباً لا يدخل تحت حساب الخلق، و «مَنْ» : واقعة على من ذُكِرَتْ أوصافهم الجميلة، كأنه قيل: والله يرزقهم بغير حساب، ووضعه موضع
(٢) من الآية ٢٢ من سورة ق.
(٣) من الآية ٢٦ من سورة يونس.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي
أحمد عبد الله القرشي رسلان