والحكمة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يعني الزهرة. يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة، ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار، ثم مثل إبراهيم فقال: زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، فزيتها أضوى وأطيب.
وقيل معنى لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ، أي إن إبراهيم لا يهودي ولا نصراني بل هو حنيف مسلم. وهذا التفسير مخالف في أكثره لجميع ما قدمناه. والله أعلم بحقيقة ذلك، فهذا ما وصل إلينا في تفسير هذه الآية، والله أعلم بصحة معناها وبما أراد فيها.
قوله تعالى ذكره: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ.
أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ فيكون قوله: فِي بُيُوتٍ ظرف للمصباح ويتعلق به فيكون على قول ابن زيد: يسبح له فيها: من صفة البيوت.
وقيل: المعنى يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ فيكون متعلقاً يُوقَدُ ويسبح أيضاً وما بعده صفة للبيوت.
وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضاً وما بعده صفة، فلا يقف على هذه الأقوال على ما قبل فِي بُيُوتٍ
وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل فِي بُيُوتٍ.
قال ابن عباس وأبو صاح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد.
قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها.
وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها.
وقال عكرمة: هي البيوت كلها.
وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس.
وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي ﷺ.
وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع أي يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد.
وروى ابن زيد / عن أبيه أن النبي ﷺ قال: " ما من أحد يغدو أو يروح إلى
المسجد يؤثره على ما سواه، إلا وله عند الله منزلاً يعد له في الجنة، كلما غدا وراح، كما أن رجلاً منكم لو زاره من يحب زيارته لاجتهد في كرامته ".
وقوله: أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ، قال مجاهد: ترفع: تبنى.
وقال الحسن: ترفع: تعظم لذكره وتصان. وقول مجاهد أولى لقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل [البقرة: ١٢٧]، أي يبنيان.
وقوله: وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه أي وأذن لعباده أن يذكروا فيها اسمه.
قال ابن عباس: يُذْكَرَ فِيهَا اسمه [البقرة: ١١٤]، أي يتلى فيها كتابه.
ثم قال: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال، أي: يصلي لله في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة.
وعن ابن عباس: أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة.
قال الحسن: أذن أن تبنى يصلى له فيها بالغدو والآصال.
وواحد الآصال: أُصُلٌ وواحد الأُصُل أصيل، والآصال: جمع الجمع.
وذكر ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله تعالى وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال. كأن ابن عباس جعل تسبيح الغدو صلاة الضحى.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي