ثم ذكر محل ظهور ذلك المصباح، فقال :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
قلت :( في بيوت ) : يتعلق بمشكاة، أي : كائنة في بيوت، أو توقد، أو بيسبح، أي : يسبح له رجال في بيوت، وفيه تكرير ؛ لزيادة التأكيد، نحو : زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف، أي : سبّحوا في بيوت. و( أَذِنَ ) : نَعْتٌ له.
يقول الحق جل جلاله : وذلك النور الذي في المشكاة يكون في بيوتٍ أَذن الله أن ترفع ، وهي المساجد والزوايا المُعدَّة لذكر الله والصلاة وتلاوة القرآن. ورفعها : تعظيمها. أي : التي أمر الله بتعظيمها ؛ كتطهيرها من الخبث، وتنقيتها من القذى، وتعليق القناديل ونصب الشموع، ويزاد التعظيم في شهر رمضان. ومن تعظيمها : غلقها في غير أوقات الصلاة، وقيل المراد برفعها : بناؤها، كقوله تعالى :. . . بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَاَ. . . [ النازعات : ٢٧ - ٢٨ ] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [ البقرة : ١٢٧ ]، والأول أصح.
و أَذِنَ أيضاً أن يُذْكَرَ فيها اسمُه ، وهو عام في جميع الذِّكْر، مفرداً أو جماعة، ويدخل فيه تلاوة القرآن. يُسَبِّحُ له فيها بالغُدوّ والآصال أي : يصلي له فيها بالغداة : صلاة الفجر، والآصال : صلاة الظهر والعصر والعِشَاءين. وإنما وَحَّد الغدو ؛ لأن صلاته صلاة واحدة، وفي الآصال صلوات، وهو جمع أصيل، وفاعل " يُسَبِّحُ " : رجال.
ومن قرأ بفتح الباء، فأسنده إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني :( له فيها بالغدو ). و " رجال " : مرفوع بمحذوف، دل عليه يُسبح أي : يسبحه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي