وكما فصل كتاب الله في الربع الماضي ما يلزم تطبيقه من الأحكام على بيوت الناس المسكونة وغير المسكونة، مما هو داخل في ملكهم الخاص، تناول في هذا الربع بيوت الله في الأرض، التي هي قطعة من الملأ الأعلى في الملأ الأدنى، وهي بيوت عامة مفتوحة الأبواب في وجوه كافة المؤمنين والمؤمنات، وتصدق على جميع المساجد حيثما كانت وأينما كانت، فقال تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه والمراد " بالإذن " هنا الأمر، أي أمر الله أن ترفع.
ورفع بيوت الله يدل على معنيين جليلين :
المعنى الأول الأمر بتشييدها وبنائها لتؤدي الرسالة المنوطة بها في الدين على أحسن وجه، فكلمة ( رفع ) تستعمل بمعنى بنى، كما في قوله تعالى : أنتم أشد خلقا أم السماء، بناها، رفع سمكها فسواها [ النازعات : ٢٧، ٢٨ ]، وقوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل [ البقرة : ١٢٧ ] وهذا هو الرفع الحسي.
المعنى الثاني الأمر بتعظيمها وتطهيرها من الأنجاس والأقذار، على غرار ما ورد في قوله تعالى : وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود [ الحج : ٢٦ ] وهذا هو الرفع المعنوي.
ويندرج تحت المعنى الأول وهو الأمر بتشييدها وبناءها اتخاذ المطاهر حولها، وإجراء المياه بها، حتى يتمكن الوافدون عليها من الطهارة والصلاة، وقد كانت قريبا من مسجد رسول الله آبار يستقون منها، فيشربون ويتطهرون ويتوضأون.
ويندرج تحت المعنى الثاني وهو الأمر بتعظيمها وتطهيرها من الأنجاس تنظيفها وتطييبها وتبخيرها أيام الجمع، كما كان يفعل عمر بن الخطاب كل جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنزيهها عن كل ما فيه رائحة مستكرهة، كالإتيان إليها عقب أكل البصل والثوم، وتفادي كل ما يمكن أن يجلب لها القذارة والنجاسة، فلا يسمح بالبصاق ولا بالتنخم ولا بالتمخط فوق أرضها ولا فوق فرشها، ولا يسمح بدخول المجانين وصغار الأطفال إليها خوفا من تدنيسها، ولا بمرور الحائض أو حامل اللحم النيء بها، خوفا من تلويثها بدم الحيض أو الدم المتقاطر من اللحم، ولا يقام فيها حد ولا قصاص، خوفا مما يمكن أن يرشح من المجلود أو المقطوع، ولا يدخلها أحد وقد أشهر سلاحه، تفاديا لما يمكن أن يصيب المصلين من سلاحه إذا غفل عنه، وينبغي البدء بالرجل اليمنى عند دخول أبوابها، والمبادرة بالسلام على روادها، والقيام بصلاة ركعتين تحية للمسجد فور دخولها، كما ينبغي تجنب كل ما فيه أذى لبقية المصلين، فلا يتخطى الداخل إليها رقاب الناس، ولا يضيق على أحد منهم في الصف، ولا يمر بين يدي أحد وهو يصلي، ولا يفرقع أصابعه، ولا يعبث بشيء من جسده، قال القرطبي في كتابه ( الجامع لأحكام القرآن ) :" " إن كل من تأذى به جيرانه في المسجد، بأن يكون ذرب اللسان سفيها عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه ( أي لا تفارقه ) لسوء صناعته، أو ذا عاهة مؤذية كالجذام وشبهه، وكل ما يتأذى به الناس، كان لهم إخراجه، ما كانت العلة موجودة فيه حتى تزول ". وبهذا البيان الشافي لرفع بيوت الله حسيا ومعنويا يتضح للجميع معنى قوله تعالى هنا : في بيوت أذن الله أن ترفع .
أما قوله تعالى : ويذكر فيها اسمه فهو تحديد دقيق لرسالة بيوت الله التي أنيطت بها، وأقيمت من أجلها، بحيث لا يسوغ التخلي عنها بحال، وكل ما يتصل بها يجب استعباده في جميع الأحوال، ولذلك نهي عن التحدث فيها باللغو والرفث والخنى، ونهى عن إنشاد الشعر في جنباتها إذا كان لا يتضمن ثناء على الله ورسوله، ولا يؤدي غرضا شرعيا ملائما لأغراضها، ونهى عن البيع والشراء داخلها، ونهى عن مباشرة الخصومات والمحاكمات والمشاجرات ورفع الأصوات بين جدرانها، ونهى عن المبيت والنوم بها إلا عند الضرورة القصوى لغريب أو عابر سبيل، وقد كان عمر رضي الله عنه يفتش المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدا، كل ذلك حرصا على أن تظل بيوت الله مقصورة على ما أنشئت من أجله، ألا وهو ذكر الله وتمجيده وتنزيهه، والتعريف بمظاهر قدرته وحكمته، وتبليغ الرسالة الإلهية المتضمنة لهدايته، والدعوة إلى عبادته وطاعته، وتمكين النوع الإنساني من بلوغ سعادته. وواضح أن الأمور التي نهى عنها الشرع في هذا المقام كلها منافية لذكر الله، لأنها تشوش على الذاكرين والذاكرات ذكرهم، فلا يطمئن لهم بال، وتصرف فكرهم عن الاستغراق والتأمل فيما لله من نعوت الجلال والجمال.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري