ﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏ

في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال ٣٦ :
بدأت الآية بالجار والمجرور في بيوت.... ٣٦ ( النور ) : ولا بد أن نبحث له عن متعلق، فالمعنى : هذا النور الذي سبق الحديث عنه في بيوت أذن الله أن ترفع. والبيت : هو ما أعد للبيتوتة، بل لمعيشة الحياة الثابتة، وإليه يأوى الإنسان بعد عناء اليوم وطوافه في مناكب الأرض، والبيت على أية صورة هو مكان الإنسان الخاص الذي يعزله عن المجتمع العام، ويجعل له خصوصية في ذاته، وإلا فالإنسان لا يرضى أن يعيش في ساحة عامة مع غيره من الناس.
وهذه الخصوصية في البيوت يتفاوت فيها الناس وتتسامى حسب إمكاناتهم، وكل إنسان يريد أن يتحيز إلى مكان خاص به ؛ لأن التحيز أمر مطلوب في النفس البشرية : الأسرة تريد أن تتحيز عن المجتمع العام، والأفراد داخل الأسرة يريدون أن يتحيزوا أيضا، كل إلى حجرة تخصه، وكذلك الأمر في اللباس، ذلك لأن لكل واحد منا مساتير بينه وبين نفسه، لا يحب أن يطلع عليها أحد.
وقد اتخذ الله له بيتا في الأرض، هو أول بيت وضع للناس، كما قال الحق سبحانه وتعالى : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا.... ٩٦ ( آل عمران ) : وهذا هو بيت الله باختيار الله، ثم تعددت بيوت الله التي اختارها خلق الله، فكما اتخذتم لأنفسكم بيوتا اتخذ الله لنفسه بيوتا أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.... ٣٦ ( النور ) : وأنتم جميعا عباد الله وعيال الله، وسوف تجدون الراحة في بيته تعالى كما تجدون الراحة في بيوتكم، مع الفارق بين الراحة في بيتك والراحة في بيت الله.
الراحة في بيوتكم راحة حسية بدنية في صالون مريح أو مطبخ ملئ بالطعام، أما في بيت الله فالراحة معنوية قيمية ؛ لأن ربك- عز وجل- غيب فيريحك أيضا بالغيب.
لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما حزبه أمر يقوم إلى الصلاة١ ليلقى بأحماله على ربه. وماذا تقول في صنعة تعرض على صانعها مرة واحدة كل يوم، أيبقى بها عطل أو فساد ؟ فما بالك إن عرضت على صانعها خمس مرات في اليوم والليلة ؟.
فربك يدعوك إلى بيته ليريحك، وليحمل عنك همومك، ويصلح ما فسد فيك، ويفتح لك أبواب الفرج. إذن : فنور على نور هذه لا تكون إلا في بيوت الله التي أذن سبحانه أن ترفع بالذكر وبالطاعات وترفع عما يحل في الأماكن الأخرى وتعظم.
فالبيوت كلها. لها مستوى واحد، لكن ترفع بيوت عن بيوت وتعلى وقد رفعت بيوت الله بالطاعة والعبادة، فالمسجد مكان للعبادة لا يعصى الله فيه أبدا على خلاف البيوت والأماكن الأخرى، فعظم الله بيوته أن يعصى فيها، وعظم روادها أن يشتغلوا فيها بسفاسف الأمور الحياتية الدنيوية، فعليك أن تترك الدنيا على باب المسجد كما تترك الحذاء.
لذلك نهى الإسلام أن نعقد صفقة في بيت الله، أو حتى ننشد فيه الضالة ؛ لأن الصفقة التي تعقد في بيت الله خاسرة بائرة، والضالة التي ينشدها صاحبها فيه لا ترد عليه، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول لمن يفعل هذا المسجد :" لا ردها الله عليك " ٢.
وإن جعل الله الأرض كلها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، لكن فرق بين الصلاة في المسجد والصلاة في أي مكان آخر، المسجد خصص للعبادة، ولا نذكر فيه إلا الله، أما الأماكن الأخرى فتصلح للصلاة، وأيضا لمزاولة أمور الدنيا.
وإلا، فكيف تعيش كل وقتك لأمور الدنيا على مدار اليوم والليلة، ثم تستكثر على ربك هذه الدقائق التي تؤدى فيها فرض الله عليك فتجرجر الدنيا معك حتى في بيت الله ؟ ألا تعلم أن بيوت الله ما جعلت إلا لعبادة الله ؟ لا بد للمؤمن أن يترك دنياه خارج المسجد، وأن ينوى الاعتكاف على عبادة ربه والمداومة على ذكره في بيته، فلا يليق بك أن تكون في بيت الله وتنشغل بغيره.
فإن التزمت بآداب المسجد تلقيت من ربك نورا على نور، وزال عن كاهلك الهم والغم وحلت مشاكلك من حيث لا تحتسب.
إذن : فالحق – تبارك وتعالى – جعل في الفطرة الإيمانية أن تؤمن بإله، فالإيمان أمر فطري مهما حاول الإنسان إنكاره، فالكافر الذي ينكر وجود الله ساعة يتعرض لأزمة لا منجاة منها بأسباب البشر تجده تلقائيا يتوجه إلى الله يقول : يا رب، لا يمكن أن يكذب على نفسه في هذه الحالة أو يسلم نفسه ويبيعها رخيصة.
وفي ذلك يقول تعالى : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله ٣ نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا... ٨ ( الزمر ).
ومن دقة الأداء القرآني في هذه المسألة قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.... ٩ ( الجمعة ) :
فذكر طرفا واحدا من عملية التجارة وهو البيع، ولم يقل : والشراء، قالوا : لأنه حين يمنع البيع يمنع الشراء في الوقت نفسه ؛ ولأن الإنسان يحرص على البيع لكن قد يشتري وهو كاره، فشهوة الإنسان متعلقة بالبيع لا بالشراء، لأن الشراء يحتاج منه إلى مال على خلاف البيع الذي يجلب له المال.
إذن قوله تعالى : وذروا البيع... ٩ ( الجمعة ) : إنما ذكر قمة حركة الحياة وخلاصتها، فكل حركات الحياة من تجارة أو زراعة أو صناعة تنتهي إلى مسألة البيع ؛ لذلك يحزن البائع إذا لم يبع، أما المشتري فيقول حين لا يجد الشيء أو يجد المحل مغلقا : بركة يا جامع.
ثم إذا انتهت الصلاة يعيدنا من جديد إلى حركة الحياة : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله.... ١٠ ( الجمعة ) :
كأنك ذهبت للمسجد لتأخذ شحنة إيمانية تعينك وتسيطر على كل حواسك في حركتك في التجارة، وفي الإنتاج، وفي الاستهلاك، وفي كل ما ينفعك وينمي حياتك. وحين يأمرك ربك أن تفرغ لأداء الصلاة لا يريد من هذا الفراغ أن يعطل لك حركة الحياة، إنما ليعطك الوقود اللازم لتصبح حركة حياتك على وفق ما أراده الله. وما أشبه هذا الوقت الذي نختزله من مصالح دنيانا في عبادة الله بشحن بطارية الكهرباء، فحين تذهب بالبطارية إلى جهاز الشحن لا نقول : إنك عطلت البطارية إنما زدت من صلاحيتها لأداء مهمتها وأخذ خيرها.
فأنت تذهب إلى بيت الله بنور الإيمان، وبنور الاستجابة لنداء : الله أكبر، فتخرج بأنوار متعددة من فيوضات الله ؛ لذلك ضرب لنا الحق – تبارك وتعالى – مثلا لهذا النور بالمصباح الذي يتنامى نوره ويتصاعد ؛ لأنه في زجاجة تزيد من ضوئه ؛ لأنها مثل كوكب دري والنور يتصاعد ؛ لأنها بزيت زيتونة، ويتصاعد لأنها شرقية وغربية في آن واحد، إذن : عندنا ألوان متعددة في المثل، فكذلك النور في بيوت الله.
لذلك قال بعض العارفين : أهل الأرض ينظرون في السماء نجوما متلألئة، والملائكة في السماء ينظرون نجوما متلألئة من بيوت الله، ولا عجب في ذلك لأنها أنوار الله تتلألأ وتتدفق في بيته وفي مسجده، وكيف نستبعد ذلك ونحن نرى نور الشمس كيف يفعل حينما ينعكس على سطح القمر فيلقى إلينا بالضوء الذي نراه ؟ والشمس والقمر أثر من آثار نور الله الذي يسطع في بيوت الله، ألا يعطينا ذلك الإشعاع الذي يفوق إشعاع البدور ؟.
ثم يقول تعالى : يسبح٤ له فيها بالغدو والآصال ٣٦ ( النور ) : فالمساجد جعلت لتسبيح الله ؛ لذلك كان بعض الصالحين إذا نزل بلدا يتحيل أن ينزلها في غير وقت الصلاة، ثم يذهب إلى المسجد فإن وجده عامرا في غير وقت الصلاة بالمسبحين علم أن هؤلاء ملتزمون بمنهج الله، حيث يجلسون قبل وقت الصلاة يسبحون الله وينتظرون الصلاة، وإن وجد الحال غير ذلك انصرف عنها وعلم أنها بلد لا خير فيها٥.
والغدو : يعني الصباح، والآصال : يعني المساء، فهي لا تخلو أبدا من ذكر الله وتسبيحه.

١ أخرجه أحمد في مسنده (٥/٣٨٨) وأبو داود في سننه (١٣١٩) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه..
٢ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك "أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة(ص٧٣) والدارمي في سننه (١/٣٢٦) والترمذي في سننه (١٣٢١)وقال: حسن غريب..
٣ خوله كذا: ملكه إياه متفضلا عليه بغير عوض. (القاموس القويم١/٢١٤)..
٤ هناك قراءة أخرى "يسبح" قرأها عبد الله بن عامر وعاصم في رواية أبي بكر عنه والحسن. بفتح الباء على ما لم يسم فاعله. ذكره القرطبي في تفسيره (٦/ ذكره القرطبي في تفسيره (٦/٤٨١٢).
٥ ذكر القرطبي في تفسيره (٦/٤٨١٢):"رأى سالم بن عبد الله أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين أراد الله بقوله لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله... ٣٧(النور) ثم قال: "اختلف العلماء في وصف الله تعالى المسبحين. فقيل: هم المراقبون أمر الله، الطالبون رضاءه، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا".
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير