وقوله تعالى: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ أَيْ يُرْشِدُ اللَّهُ إِلَى هِدَايَتِهِ مَنْ يَخْتَارُهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي ربيعة بن زيد عن عبد الله الدَّيْلَمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول «إن الله تعالى خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ من نوره يومئذ، فمن أصاب من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأ ضَلَّ فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
[طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ] قَالَ البزار: حدثنا أيوب عن سويد عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ «إِنِ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ نُورًا مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ» وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِلَفْظِهِ وَحُرُوفِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى هَذَا مَثَلًا لِنُورِ هُدَاهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
أَيْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢» : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أبو معاوية حدثنا شَيْبَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أَجْرَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّرَاجِ يُزْهِرُ، وَقَلْبٌ أَغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلَى غِلَافِهِ، وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ، وَقَلْبٌ مُصَفَّحٌ. فَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَجْرَدُ: فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ سِرَاجُهُ فِيهِ نُورُهُ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَغْلَفُ فَقَلْبُ الْكَافِرِ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمَنْكُوسُ فَقَلْبُ الْمُنَافِقِ، عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمُصَفَّحُ فَقَلْبٌ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، وَمَثَلُ الْإِيمَانِ فِيهِ كَمَثَلِ الْبَقْلَةِ يَمُدُّهَا الْمَاءُ الطَّيِّبُ، وَمَثَلُ النِّفَاقِ فِيهِ كمثل القرحة يمدها الدم والقيح، فَأَيُّ الْمَدَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَى الْأُخْرَى غَلَبَتْ عَلَيْهِ» إسناده جيد ولم يخرجوه.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٦ الى ٣٨]
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)
لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى مَثَلَ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ بِالْمِصْبَاحِ فِي الزُّجَاجَةِ الصَّافِيَةِ الْمُتَوَقِّدِ مِنْ زَيْتٍ طَيِّبٍ وَذَلِكَ كَالْقِنْدِيلِ، ذَكَرَ مَحِلَّهَا وَهِيَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي هِيَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَرْضِ وَهِيَ بُيُوتُهُ التي يعبد فيها ويوحد فقال تَعَالَى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ أي أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال
(٢) المسند ٣/ ١٧.
الَّتِي لَا تَلِيقُ فِيهَا. كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ قَالَ نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ اللَّغْوِ فِيهَا، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو صَالِحٍ وَالضَّحَّاكُ وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ وغيرهم من العلماء الْمُفَسِّرِينَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ أَمَرَ الله سبحانه وتعالى ببنائها وأخر بِعِمَارَتِهَا وَتَطْهِيرِهَا. وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كان يقول: مكتوب في التوراة أَلَا إِنَّ بُيُوتِي فِي الْأَرْضِ الْمَسَاجِدُ وَإِنَّهُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَضَوْءَهُ ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي أَكْرَمْتُهُ وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ كَرَامَةُ الزَّائِرِ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَاحْتِرَامِهَا وَتَوْقِيرِهَا وَتَطْيِيبِهَا وَتَبْخِيرِهَا وَذَلِكَ لَهُ مَحَلٌّ مُفْرَدٌ يُذْكَرُ فِيهِ وَقَدْ كَتَبْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا عَلَى حِدَةٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَنَحْنُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى نَذْكُرُ هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، فَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مَثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ» «١» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم «من بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» «٢» وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ عمرو بن عنبسة مَثْلُهُ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَعَنْ عائشة رضي الله عنها قالت: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ «٣». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيُّ، وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبَ نَحْوُهُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عُمَرُ: ابْنِ لِلنَّاسِ مَا يُكِنُّهُمْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ الناس «٤»، وروى ابن ماجة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ» «٥» وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
وَرَوَى أَبُو داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المساجد» قال ابن عباس أزخرفها كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى «٦». وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يتباهى الناس في
(٢) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ١.
(٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٣، والترمذي في الجمعة باب ٦٥، وابن ماجة في المساجد باب ٩، وأحمد في المسند ٥/ ١٧.
(٤) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٦٢، ولفظه: «أكنّ الناس من المطر».
(٥) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ٢.
(٦) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٦٢، وأبو داود في الصلاة باب ١٢.
المساجد» «١». رواه أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلًا أَنْشَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمْلِ الْأَحْمَرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ «لَا وَجَدْتَ إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» «٢» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ وَعَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ «٣». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ» «٤» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: خِصَالٌ لَا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِدِ: لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا وَلَا يُشْهَرُ فِيهِ سِلَاحٌ وَلَا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ وَلَا يُمَرُّ فيه بلحم نيئ وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ وَلَا يُقْتَصُّ فِيهِ أَحَدٍ وَلَا يُتَّخَذُ سُوقًا «٥»، وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «جَنِّبُوا الْمَسَاجِدَ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «٦» أَيْضًا وَفِي إِسْنَادِهِمَا ضَعُفٌ، أَمَّا أَنَّهُ لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا فَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُرُورَ فِيهِ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا وَجَدَ مَنْدُوحَةً عَنْهُ.
وَفِي الْأَثَرِ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَتَعَجَّبُ مِنَ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّي فِيهِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يُشْهَرُ فِيهِ السلاح وَلَا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ، فَلِمَا يُخْشَى مِنْ إِصَابَةِ بَعْضِ النَّاسِ بِهِ لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ فِيهِ، وَلِهَذَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ أَحَدٌ بِسِهَامٍ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى نِصَالِهَا لِئَلَّا يؤذي أحدا «٧»، كما ثبت ذلك فِي الصَّحِيحِ، وَأَمَا النَّهْيُ عَنِ الْمُرُورِ بِاللَّحْمِ النَّيِّءِ فِيهِ فَلِمَا يُخْشَى مِنْ تَقَاطُرِ الدَّمِ مِنْهُ كَمَا نُهِيَتِ الْحَائِضُ عَنِ الْمُرُورِ فِيهِ إِذَا خَافَتِ التَّلْوِيثَ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ فيه حد أو يقتص فلما يخشى من إيجاد النجاسة فِيهِ مِنَ الْمَضْرُوبِ أَوِ الْمَقْطُوعِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يُتَّخَذُ سُوقًا فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا بُنِيَ لذكر الله
(٢) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٧٩، ٨١، وابن ماجة في المساجد باب ١١.
(٣) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ١٢٣، والنسائي في المساجد باب ٢٣، وابن ماجة في المساجد باب ٥، وأحمد في المسند ٢/ ١٧٩، ٢١٢.
(٤) أخرجه الترمذي في البيوع باب ٧٥.
(٥) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ٥، ولفظه: «ولا ينشر فيه نبل».
(٦) كتاب المساجد باب ٥.
(٧) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٩٢.
والصلاة فيه كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ «إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا، إِنَّمَا بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا» ثُمَّ أَمَرَ بِسَجْلٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِهِ «١»، وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ» «٢» وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَلْعَبُونَ فِيهِ وَلَا يُنَاسِبُهُمْ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا رَأَى صِبْيَانًا يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ ضَرَبَهُمْ بِالْمِخْفَقَةِ وَهِيَ الدِّرَّةُ، وكان يعد الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْعَشَاءِ فَلَا يَتْرُكُ فِيهِ أَحَدًا «وَمَجَانِينَكُمْ» يَعْنِي لِأَجْلِ ضَعْفِ عُقُولِهِمْ وَسَخَرِ النَّاسِ بِهِمْ فَيُؤَدِّي إِلَى اللَّعِبِ فِيهَا وَلِمَا يَخْشَى مِنْ تَقْذِيرِهِمُ الْمَسْجِدَ وَنَحْوِ ذَلِكَ «وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ» كَمَا تَقَدَّمَ «وَخُصُومَاتِكُمْ» يَعْنِي التَّحَاكُمَ وَالْحُكْمَ فِيهِ، وَلِهَذَا نَصَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَنْتَصِبُ لِفَصْلِ الْأَقْضِيَةِ فِي الْمَسْجِدِ بَلْ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْحُكُومَاتِ وَالتَّشَاجُرِ وَالْعِيَاطِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُهُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ «وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ».
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ «٣» : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرحمن قال: حدثني يزيد بن حفصة عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ فَنَظَرْتُ فَإِذَا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بِهَذَيْنَ فَجِئْتُهُ بِهِمَا فَقَالَ مَنْ أَنْتُمَا؟ أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قَالَ لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنِ نَصْرٍ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعَ عُمَرُ صَوْتَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ:
أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟ وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ «وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ» تَقَدَّمَا. وَقَوْلُهُ «وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ» يَعْنِي الْمَرَاحِيضَ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْوُضُوءِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
وَقَدْ كَانَتْ قَرِيبًا مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آبَارٌ يَسْتَقُونَ مِنْهَا فَيَشْرَبُونَ ويتطهرون ويتوضؤون وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ «وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ» يَعْنِي بَخِّرُوهَا فِي أَيَّامِ الْجُمَعِ لِكَثْرَةِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُجَمِّرُ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ جُمُعَةٍ. إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «صلاة الرجل في
(٢) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ٥. [.....]
(٣) كتاب الصلاة باب ٨٣.
الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صِلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا» «١» وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَضَوْءَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يخرجه إلا للصلاة لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ. فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ. وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ».
وَفِي السُّنَنِ «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القيامة» «٢» ويستحب لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَبْدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى وَأَنْ يَقُولَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان إذا دخل المسجد يقول «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» [قَالَ: أَقَطُّ قَالَ نَعَمْ] قَالَ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ «٣».
وَرَوَى مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ أَوْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك: وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك فَضْلِكَ» «٤» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النبي ﷺ وليقل: اللهم اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» «٥» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٦» : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» «٧» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٤٩، والترمذي في المواقيت باب ٥١، وابن ماجة في المساجد باب ١٤.
(٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١٨، ولم نجده في صحيح البخاري.
(٤) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٦٨، وأبو داود في الصلاة باب ١٨، والنسائي في المساجد باب ٣٦، وأحمد في المسند ٣/ ٤٩٧، ٥/ ٤٢٥.
(٥) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب ١٣.
(٦) المسند ٦/ ٢٨٢.
(٧) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ١١٧، وابن ماجة في المساجد باب ١٣.
لأن فاطمة بنت حسين الصُّغْرَى لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَعَ مَا تَرَكْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ في ذلك كله محاذرة الطول دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ.
وَقَوْلُهُ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أي اسم الله كقوله يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الْأَعْرَافِ: ٣١] وَقَوْلُهُ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الْأَعْرَافِ: ٢٩] وَقَوْلُهُ وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [الجن: ١٨] الآية. وقوله تعالى: وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ قال ابن عباس يعني فيها يتلى كتابه، وقوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أَيْ فِي الْبُكَرَاتِ والْعَشِيَّاتِ. وَالْآصَالُ جَمْعُ أَصِيلٍ وَهُوَ آخِرُ النَّهَارِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ تَسْبِيحٍ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الصَّلَاةُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالْغُدُوِّ صَلَاةَ الْغَدَاةِ وَيَعْنِي بِالْآصَالِ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَهُمَا أَوَّلُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ مِنَ الصَّلَاةِ فَأَحَبَّ أَنْ يَذْكُرَهُمَا وَأَنْ يُذَكِّرَ بِهِمَا عِبَادَهُ «١». وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يَعْنِي الصَّلَاةَ، وَمَنْ قرأ من القراء يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ يُسَبِّحُ عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَقَفَ عَلَى قَوْلِهِ وَالْآصالِ وَقَفًا تامًا وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَكَأَنَّهُ مُفَسِّرٌ للفاعل المحذوف كما قال الشاعر [الطويل] :
| لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ | ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطيحُ الطَّوَائِحُ «٢» |
(٢) البيت للحارث بن نهيك في خزانة الأدب ١/ ٣٠٣، وشرح شواهد الإيضاح ص ٩٤، وشرح المفصل ١/ ٨٠، والكتاب ١/ ٢٨٨، وللبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه ص ٣٦٢، ولنهشل بن حري في خزانة الأدب ١/ ٣٠٣، ولضرار بن نهشل في الدرر ٢/ ٢٨٦، ومعاهد التنصيص ١/ ٢٠٢، وللحارث بن ضرار في شرح أبيات سيبويه ١/ ١١٠، ولنهشل، أو للحارث، أو لضرار، أو لمزرد بن ضرار، أو للمهلهل في المقاصد النحوية ٢/ ٤٥٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٤٥، ٧/ ٢٤، وأمالي ابن الحاجب ص ٤٤٧، ٧٨٩، وأوضح المسالك ٢/ ٩٣، وتخليص الشواهد ص ٤٧٨، وخزانة الأدب ٨/ ١٣٩، والخصائص ٢/ ٣٥٣، ٤٢٤، وشرح الأشموني ١/ ١٧١، وشرح المفصل ١/ ٨٠، والشعر والشعراء ص ١٠٥، ١٠٦، والكتاب ١/ ٣٦٦، ٣٩٨، ولسان العرب (طوح)، والمحتسب ١/ ٢٣٠، ومغني اللبيب ص ٦٢٠، والمقتضب ٣/ ٢٨٢، وهمع الهوامع ١/ ١٦٠.
٢٣] الآية، وأما النِّسَاءُ فَصَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَهُنَّ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» «١».
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢» : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ، حَدَّثَنِي عَمْرٌو عَنْ أَبِي السَّمْحِ عَنِ السَّائِبِ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ» وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هَارُونُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ. قَالَ «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي» قَالَ: فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ من بيوتها وأظلمه فكانت والله تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى، لَمْ يُخْرِجُوهُ.
هَذَا وَيَجُوزُ لَهَا شُهُودُ جَمَاعَةِ الرِّجَالِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُؤْذِيَ أَحَدًا مِنَ الرِّجَالِ بِظُهُورِ زِينَةٍ وَلَا رِيحِ طِيبٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» «٣» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» «٤». وَفِي رِوَايَةٍ «وَلِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ» «٥» أَيْ لَا رِيحَ لَهُنَّ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مسلم عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» «٦». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يعرفن من الغلس «٧»، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ من المساجد كما منعت نساء بين إسرائيل «٨».
وقوله تعالى: رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كقوله تعالى:
(٢) المسند ٨/ ٣٧١.
(٣) أخرجه البخاري في الجمعة باب ١٣، ومسلم في الصلاة حديث ١٣٦.
(٤) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٥٢، وأحمد في المسند ٢/ ٧٦، ٧٧. [.....]
(٥) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٥٢، وأحمد في المسند ٢/ ٤٣٨، ٤٧٥، ٥٢٨.
(٦) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١٤٢.
(٧) أخرجه البخاري في المواقيت باب ٢٧، والأذان باب ١٦٥، ومسلم في المساجد حديث ٢٣٢.
(٨) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٦٣، ومسلم في الصلاة حديث ١٤٤.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [المنافقون: ٩] الآية. وقوله تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩] الآية، يَقُولُ تَعَالَى لَا تَشْغَلُهُمُ الدُّنْيَا وَزُخْرُفُهَا وَزِينَتُهَا وملاذ بيعها وربحها عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي هُوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، وَالَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ وَأَنْفَعُ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ، لِأَنَّ مَا عِنْدَهُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ أَيْ يُقَدِّمُونَ طَاعَتَهُ وَمُرَادَهُ وَمَحَبَّتَهُ عَلَى مُرَادِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ.
قَالَ هشيم عن شيبان قَالَ: حُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى قوما من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة تَرَكُوا بِيَاعَاتِهِمْ وَنَهَضُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ عَبْدُ الله بن مسعود: هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١» الآية، وَهَكَذَا رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الْقَهْرَمَانِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ فِي السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَغْلَقُوا حَوَانِيتَهُمْ وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الله بن بكير الصنعاني، حدثنا أبو سعيد مولى بن هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُجَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ رَبٍّ قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي قُمْتُ عَلَى هَذَا الدَّرَجِ أُبَايِعُ عَلَيْهِ، أَرْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، أَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَلَالٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنَ الذين قال الله فيهم رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الْأَعْوَرُ: كُنْتُ مَعَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَحْنُ نُرِيدُ الْمَسْجِدَ فَمَرَرْنَا بِسُوقِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ وخَمَّرُوا مَتَاعَهُمْ، فَنَظَرَ سَالِمٌ إِلَى أَمْتِعَتِهِمْ لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ، فَتَلَا سَالِمٌ هَذِهِ الْآيَةَ رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ، هُمْ هَؤُلَاءِ، وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكُ: لَا تُلْهِيهِمُ التِّجَارَةُ وَالْبَيْعُ أَنْ يَأْتُوا الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا. وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ: كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، وَلَكِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ وَمِيزَانُهُ فِي يَدِهِ خَفَضَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى الصَّلَاةِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يَقُولُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَكَذَا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أنس. وقال السدي: عن الصلاة في جماعة. وقال مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ: لَا يُلْهِيهِمْ ذَلِكَ عَنْ حُضُورِ الصَّلَاةِ وَأَنْ يُقِيمُوهَا كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَأَنْ يُحَافِظُوا عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَمَا اسْتَحْفَظَهُمُ اللَّهُ فيها. وقوله تَعَالَى: يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، أَيْ مِنْ شِدَّةِ الْفَزَعِ وَعَظَمَةِ الْأَهْوَالِ، كقوله وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ [غافر: ١٨] الآية.
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
محمد حسين شمس الدين