ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل١٧ :
قوله : ويوم يحشرهم... ١٧ ( الفرقان ) : الحشر : جمع الناس أجمعين من لدن آدم-عليه السلام- وإلى أن تقوم الساعة في مكان واحد، ولغاية واحدة، وإذا كنا الآن نضج من الزحام ونشكو من ضيق الأرض بأهلها، ونحن في جيل واحد، فما بالك بموقف يجمع فيه كل الخلائق من آدم إلى قيام الساعة ؟.
والعبادة : أن يطيع العابد أوامر معبوده، فينبغي أن ننظر في كل من له أمر نطيعه : أهو أمر من ذاته ؟ أم أمر مبلغ من أعلى منه : رسول أو إله ؟ فإن كان الأمر من ذاته فعليك أن تنظر أهو مباح أم يتعارض مع نص شرعي ؟ فإن كان مباحا فلا بأس في إطاعته، أما إن كان مخالفا للشرع فإن أطعته فكأنك تعبده من دون الله.
إذن : حينما يأمرك الآمر بالصلاة أو الزكاة أو الصوم فأنت قبل أن تطيعه أطعت من حمله هذه الأمانة، والذين يطيعون من يأمرونهم بأشياء مخالفة لمنهج الله عبدوهم من دون الله، وجعلوهم آلهة مطاعين، كما قال سبحانه في الشياطين : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم... ١٢١ ( الأنعام ) : وآخرون عبدوا الطاغوت، أو عبدوا الشمس، أو القمر، أو النجوم، أو الأصنام والجماد.
ومعلوم أن عبادة هذه الجمادات عبادة باطلة خاطئة، فالعبادة إطاعة أمر، وهل للجمادات أمر لأحد ؟ إنما العبادة إن صحت بهذا المعنى فتكون لمن يملك أمرا أو سلطة زمنية من الرهبان، أو من الشياطين، أو الملائكة، أو من عيسى عليه السلام حيث قال البعض بألوهيته أو العزيز الخ. ودخلت الجمادات مع هؤلاء على سبيل العموم.
لذلك يقول تعالى : ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله... ١٧ ( الفرقان ) : يعني : يجمع العابد على الضلال والمعبود على الضلال في مكان واحد معا، لماذا ؟ لأن العابد إذا وجد نفسه في العذاب ربما انتظر معبوده أن ينقذه من العذاب، لكن ها هو يسبقه إلى النار ويقطع عنه كل أمل في النجاة.
وقول الحق سبحانه وتعالى : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل١٧ ( الفرقان ) :
والخطاب هنا موجه لمن يعقل منهم، ولا مانع أن يكون للجميع، فنحن نتحدث عن القانون الذي نعرفه، وقد بين لنا الحق- تبارك وتعالى- أن لكل شيء لغة، فلماذا نستبعد أن يكون الخطاب هنا للعاقل ولغير العاقل، بدليل قوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم... ٤٤ ( الإسراء ).
وقد قال سليمان عليه السلام وهو ممن فقه التسبيح : رب أوزعني١ أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي... ١٥ ( الأحقاف ) لما سمع النملة تحذر قومها : ادخلوا مساكنكم... ١٨ ( النمل ) : فتبسم سليمان –عليه السلام- لما سمع من النملة وسماه قولا، وفي الرد على من يقول : إن التسبيح هنا من النملة تسبيح حال، لا تسبيح مقال.
وهو قول مخالف لنص القرآن الذي قال : ولكن لا تفقهون تسبيحهم... ٤٤ ( الإسراء ) : فقد حكم الحق سبحانه بأنك لا تفقه هذا التسبيح، فإن قلت : هو تسبيح دلالة فقد فقهته، وقد حكم سبحانه بعدم فقهك له إلا إذا عرفك الله تعالى، وأطلعك على لغات هذه المخلوقات.
ولماذا نستبعد هذه المسألة والعلم الحديث يقرر الآن أن لكل أمة من أمم الموجودات لغتها الخاصة، وألسنا نتحدث الآن فيما بيننا بلغة غير منطوقة، وهي لغة الإشارات التي يتفاهم بها البحارة مثلا ؟.
فالحق –سبحانه وتعالى – يسأل المعبودين : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء... ١٧ ( الفرقان ) : والله يعلم إن كانوا أضلوهم أم لا ؛ لذلك أجاب عيسى –عليه السلام- على مثل هذا السؤال في قوله تعالى : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي... ١٦ ( المائدة ).
وسؤال الله للمعبودين تقريع للعابدين أمام من عبدوهم، ولو أن عبادتهم بحق لكان المعبودون دافعوا عن هؤلاء أمام الله ؛ لذلك أجاب عيسى عليه السلام : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم... ١١٧ ( المائدة ).
أما الآخرون فقالوا : ما أضللناهم، بل هم ضلوا السبيل.
وكلمة عبادي.... ١٧ ( الفرقان ) : سبق أن قلنا إن ( عبد ) تجمع على ( عباد )و( عبيد )، وعبد يعني أنه خاضع لأمر السيد، وليس له تصرف من ذاته، إن نظرت هذه النظرة فكل خلق الله عبيد ؛ لأن هناك أشياء لا يخرجون فيها عن مراد الله تعالى كميلاده على شكل خاص أو مرضه أو وفاته.
لذلك نقول للذين ألفوا مخالفة أوامر الله والتمرد عليه سبحانه : قد تتمردون على الإيمان به فتكفروا، وقد تتمردون على الإيمان برسوله فتكذبوا، وقد تتمردون على حكم من الأحكام فتخالفوه.
إذن : لكم جرأة على المخالفة وإلف للتمرد، وما دام لك دربة على ذلك، فعليك أن تتمرد أيضا عند المرض وتقول : لن أمرض وتتمرد على الموت فلا تموت، لكن هيهات، فهذه مسائل، الكل فيها عبيد الله مقهورون لإرادته سبحانه، المؤمن والكافر، والطائع والعاصي.
وهناك أمور أخرى جعلها الله بالاختيار، فالذين سبقت لهم من الله الحسنى، وألهموا التوفيق يتنازلون عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده، فيكونون عبيدا لله في كل الأمور القهريات وغير القهريات، وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا عبادا لله.
فالعباد- إذن- يشتركون مع العبيد في القهريات، ويتميزون عنهم بتنازلهم عن مرادهم لمراد ربهم، وعن اختيارهم لاختياره عز وجل ؛ لذلك سماهم عبادا، كما جاء في قوله سبحانه :
وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا٢ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما٦٣ ( الفرقان ).
والاستفهام في قوله سبحانه : أأنتم أضللتم عبادي... ١٧ ( الفرقان ) : يقول فيه بعض غير المؤهلين للفهم عن الله ؛ أما كان يقول أأضللتم عبادي ؟ ونقول لهؤلاء : ليس لديكم الملكة اللغوية لفهم القرآن، فأنت تستفهم عن الفعل إذا لم يكن موجودا أمامك، تقول : أبنيت البيت الذي أخبرتني أنك ستبنيه ؟ فيخبرك : بنيته أو لم أبنه، أما حين تقول : أبنيت هذا البيت ؟ فالسؤال ليس عن البناء، إنما عن فاعله، أنت أم غيرك ؟ لأن البناء قائم أمامك.
إذن : فرق بين السؤال عن الحدث، والسؤال عن فاعل الحدث، والضلال هنا موجود فعلا، فالسؤال عن الفاعل أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل١٧ ( الفرقان ).
وسماهم عبادا هنا مع أنهم ضالون ؛ لأن الكلام في الآخرة، حيث لم يعد لأحد اختيار، الاختيار كان في الدنيا وعليه ميزنا بين العبيد والعباد، أما في الآخرة فالجميع عبيد والجميع عباد، فقد زال ما يميزهم ؛ لأنهم جميعا مقهورون لا اختيار لأحد منهم.
٢ المشي هونا: بالسكينة والوقار. قاله عكرمة ومجاهد فيما نقله ابن منظور في(لسان العرب- مادة: هون).
تفسير الشعراوي
الشعراوي