ثم يقال للكافر بطريق الالتفات : فقد كَذَّبوكم بما تقولون ، وهو احتجاج من الله تعالى على العبدة ؛ مبالغة في تقريعهم وتبكيتهم ؛ على تقدير قول مرتب على الجواب، أي : فقال الله جل جلاله عند ذلك للعبدة : فقد كذبكم المعبودون أيها الكفرة، بما تقولون أي : في قولكم : هؤلاء أضلونا. والباء بمعنى " في "، وعن قنبل : بالياء، والمعنى : فقد كذبوكم بقولهم : سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ ، والباء حينئذٍ كقولك : كتبت بالقلم.
فما يستطيعون ؛ فما يملكون صَرْفاً ؛ دفعاً للعذاب عنكم ولا نصراً أي : فرداً من أفراد النصر. والمعنى : فما تستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصروكم. وعن حفص بالتاء، أي : فما تستطيعون أنتم أيها الكفرة صرفاً للعذاب عنكم، ولا نصر أنفسكم.
ثم خاطب المكلَّفين على العموم فقال : ومن يَظْلِمْ منكم ؛ يشرك ؛ بدليل قوله :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : ١٣ ] لأن الظلم : وضع الشيء في غير محله، ومن جعل المخلوق شريكاً لخالقه فقد ظلم ظلماً عظيماً. أي : ومن يظلم منكم أيها المكلفون، كدأب هؤلاء الكفرة، حيث ركبوا متن المكابرة والعناد، واستمروا على الملاججة والفساد، نُذقْهُ في الآخرة عذاباً كبيراً لا يقادر قدره، وهو الخلود في النار، والعياذ بالله.
الإشارة : كل من عشق شيئاً وأحبه من دون الله فهو عابد له، فرداً أو متعدداً، فيُحشر معه يوم القيامة، فيقال لهم : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء، أم هم ضلوا السبيل ؟ فيتبرؤون منهم، ويقولون : بل متعتهم بالدنيا، وألهيتهم عن الذكر والتفكر والاعتبار، أو عن الشهود والاستبصار، حتى نسوا ذكر الله وكانوا قوماً بوراً. وقد ورد :( أن الدنيا تُبعث يوم القيامة على هيئة عجوز شمطاء زرقاء، فتنادي : أين أولادي ؟ فيجمعون لها كرهاً، فتقدمهم، فتوردهم النار ). وقوله تعالى : ومن يظلم منكم أي : يخرج عن حد الاستقامة في العبودية، وشهود عظمة الربوبية، نُذقه عذاباً كبيراً، وهو ضرب الحجاب على سبيل الدوام، إلا وقتاً مخصوصاً مع العوام. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي