وقوله تعالى على التوالي : الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا صريح في إثبات التوحيد، بما يتضمنه من ألوهية وربوبية، ومنافاة تامة للشرك والوثنية، وبديهي أن الإيمان بالوحي يستلزم الإيمان بجميع محتوياته، وفي طليعتها الإيمان بالمعاد، كما أن الاعتراف بقدرة الله البالغة، وبانفراده بالخلق والإبداع في النشأة الأولى، يستلزم الإيمان بقدرته على النشأة الثانية، إذ ليست أشق ولا أصعب من النشأة الأولى وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [ الروم : ٢٧ ].
وقوله تعالى : وخلق كل شيء فقدره تقديرا إشارة إلى أنه ما من شيء خلقه في هذا الكون، كبر شأنه أو صغر، طال حجمه أو قصر، إلا وقد حددت الحكمة الإلهية شكله وحجمه، وطبيعته ووظيفته، والفائدة المترتبة على وجوده، والعلاقة التي تربطه بغيره من الكائنات، كل ذلك في نظام متناسق ثابت لا خلل فيه ولا اضطراب. وقال جارالله الزمخشري : " المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدرالمسوى الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير، فقدره لأمر ما، ومصلحة ما، مطابقا لما قدره له، غير متجاف عنه.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري