سُورَةُ الْفُرْقَانِ
سَبْعٌ وَسَبْعُونَ آيَةً مَكِّيَّةً بِسْمِ اللَّه الرحمن الرحيم
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢)اعْلَمْ أَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ خَتَمَهَا بِذِكْرِ صِفَاتِ الْعِبَادِ الْمُخْلِصِينَ الْمُوقِنِينَ، وَلَمَّا كَانَ إِثْبَاتُ الصَّانِعِ وَإِثْبَاتُ صِفَاتِ جَلَالِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْكُلِّ لَا جَرَمَ افْتَتَحَ اللَّه هَذِهِ السُّورَةَ بِذَلِكَ فَقَالَ: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: قَالَ الزَّجَّاجُ: تَبَارَكَ: تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ، وَالْبَرَكَةُ كَثْرَةُ الْخَيْرِ وَزِيَادَتُهُ وَفِيهِ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَزَايَدَ خَيْرُهُ وَتَكَاثَرَ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] وَالثَّانِي:
تَزَايَدَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَتَعَالَى عَنْهُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشُّورَى:
١١] وَأَمَّا تَعَالِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي ذَاتِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى جَلَّ بِوُجُوبِ وَجُودِهِ وَقِدَمِهِ عَنْ جَوَازِ الْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى جَلَّ بِفَرْدَانِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ، وَأَمَّا تَعَالِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي صِفَاتِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى جَلَّ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ ضَرُورِيًّا أَوْ كَسْبِيًّا أَوْ تَصَوُّرًا أَوْ تَصْدِيقًا وَفِي قُدْرَتِهِ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى مَادَّةٍ وَمُدَّةٍ وَمِثَالٍ وَجَلْبِ غَرَضٍ وَمَنَالٍ، وَأَمَّا فِي أفعاله فحل أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ وَالْبَقَاءُ وَصَلَاحُ حَالِ الْوُجُودِ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ تَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ بُرُوكِ الْبَعِيرِ، وَمِنْ بُرُوكِ الطَّيْرِ عَلَى الْمَاءِ، وَسُمِّيَتِ الْبِرْكَةُ بِرْكَةً لِثُبُوتِ الْمَاءِ فِيهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَاقٍ فِي ذَاتِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ وَبَاقٍ/ فِي صِفَاتِهِ مُمْتَنِعُ التَّبَدُّلِ، وَلَمَّا كَانَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِوُجُوهِ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ وَالْمُبْقِي لَهَا وَجَبَ وَصْفُهُ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
المسألة الثَّانِيَةُ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: كَلِمَةُ (الَّذِي) مَوْضُوعَةٌ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الشَّيْءِ عِنْدَ مُحَاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقَضِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَعِنْدَ هَذَا يَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْمَ مَا كَانُوا عَالِمِينَ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ فكيف حسن هاهنا لَفْظُ (الَّذِي) ؟ وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَمَّا قَامَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ مُعْجِزًا ظَهَرَ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ كَوْنُهُ مِنْ عِنْدِ اللَّه، فَلِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وَظُهُورِهِ أَجْرَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَجْرَى الْمَعْلُومِ. صفحة رقم 428
المسألة الثَّالِثَةُ: لَا نِزَاعَ أَنَّ الْفُرْقَانَ هُوَ الْقُرْآنُ وُصِفَ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، أَوْ لِأَنَّهُ فَرَّقَ فِي النُّزُولِ كَمَا قَالَ: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٦] وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَقْرَبُ لِأَنَّهُ قَالَ: نَزَّلَ الْفُرْقانَ وَلَفْظَةُ (نَزَّلَ) تَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ، وَأَمَّا لَفْظَةُ (أَنْزَلَ) فَتَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ... وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [آلِ عِمْرَانَ: ٣] وَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا قَالَ أَوَّلًا تَبارَكَ وَمَعْنَاهُ كَثْرَةُ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَهُ أَمْرَ الْقُرْآنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَنْشَأُ الْخَيْرَاتِ وَأَعَمُّ الْبَرَكَاتِ، لَكِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ إِلَّا مَنْبَعًا لِلْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَالْحِكَمِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ أَشْرَفُ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ خَيْرًا وَبَرَكَةً.
المسألة الرَّابِعَةُ: لَا نِزَاعَ أَنَّ الْمُرَادَ من العبد هاهنا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى عِبَادِهِ وَهُمْ رَسُولُ اللَّه وَأُمَّتُهُ كَمَا قَالَ: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠]، قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا [الْبَقَرَةِ: ١٣٦]، وَقَوْلِهِ:
لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً فَالْمُرَادُ لِيَكُونَ هَذَا الْعَبْدُ نَذِيرًا لِلْعَالَمِينَ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْفُرْقَانِ فَأَضَافَ الْإِنْذَارَ إِلَيْهِ كَمَا أَضَافَ الْهِدَايَةَ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي [الْإِسْرَاءِ: ٩] فَبَعِيدٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُنْذِرَ وَالنَّذِيرَ مِنْ صِفَاتِ الْفَاعِلِ لِلتَّخْوِيفِ، وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْقُرْآنُ فَهُوَ مَجَازٌ، وَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِذَا أَمْكَنَ هُوَ الْوَاجِبُ، ثُمَّ قَالُوا هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَحْكَامٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّ مَا سِوَى اللَّه تَعَالَى وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ، لَكِنَّا أَجْمَعْنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ جَمِيعًا، وَيَبْطُلُ بِهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ رَسُولًا إِلَى الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ لِلْعالَمِينَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ رَسُولٌ لِلْخَلْقِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ الثَّالِثُ: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَرَادَ الْإِيمَانَ وَفِعْلَ الطَّاعَاتِ مِنَ الْكُلِّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَعَثَهُ إِلَى الْكُلِّ لِيَكُونَ نَذِيرًا لِلْكُلِّ، وَأَرَادَ مِنَ الْكُلِّ الِاشْتِغَالَ بِالْحُسْنِ وَالْإِعْرَاضَ عَنِ الْقَبِيحِ وَعَارَضَهُمْ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [الْأَعْرَافِ: ١٧٩] الْآيَةَ، الرَّابِعُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ كَمَا دَلَّ عَلَى كَثْرَةِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ عَقِيبَهُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الْخَيْرِ/ وَالْمَنَافِعِ، وَالْإِنْذَارُ يُوجِبُ الْغَمَّ وَالْخَوْفَ فَكَيْفَ يَلِيقُ هَذَا لِهَذَا الْمَوْضِعِ؟ جَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا الْإِنْذَارَ يَجْرِي مَجْرَى تَأْدِيبِ الْوَلَدِ، وَكَمَا أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتِ الْمُبَالَغَةُ فِي تَأْدِيبِ الْوَلَدِ أَكْثَرَ كَانَ الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ، لِمَا أَنَّ ذَاكَ يُؤَدِّي فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِلَى الْمَنَافِعِ الْعَظِيمَةِ، فَكَذَا هاهنا كُلَّمَا كَانَ الْإِنْذَارُ كَثِيرًا كَانَ رُجُوعُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّه أَكْثَرَ، فَكَانَتِ السَّعَادَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ أَتَمَّ وَأَكْثَرَ، وَهَذَا كَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا الْتِفَاتَ إِلَى الْمَنَافِعِ الْعَاجِلَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الَّذِي يُعْطِي الْخَيْرَاتِ الْكَثِيرَةَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا مَنَافِعَ الدِّينِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَتَّةَ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِ الدُّنْيَا.
ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَ ذَاتَهُ بِأَرْبَعِ أَنْوَاعٍ مِنْ صِفَاتِ الْكِبْرِيَاءِ أَوَّلُهَا: قَوْلُهُ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهَذَا كَالتَّنْبِيهِ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِهِ سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِهِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ احْتِيَاجِ أَفْعَالِهِ إِلَيْهِ، فَكَانَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى سَائِرِ الصِّفَاتِ كَالْأَمْرِ الْوَاجِبِ وَقَوْلُهُ: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِشَارَةٌ إِلَى احْتِيَاجِ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِزَمَانِ حُدُوثِهَا وَزَمَانِ بَقَائِهَا فِي مَاهِيَّتِهَا وَفِي وَجُودِهَا، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ هُوَ الْمَعْبُودُ أَبَدًا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَعْبُودًا وَوَارِثًا لِلْمُلْكِ عَنْهُ فَتَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ كَالْمُؤَكِّدَةِ لِقَوْلِهِ: تَبارَكَ وَلِقَوْلِهِ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وَهَذَا كَالرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْإِلَهِيَّةِ، وَإِذَا عَرَفَ الْعَبْدُ ذَلِكَ انْقَطَعَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ عَنِ الْكُلِّ، وَلَا يَبْقَى مَشْغُولَ الْقَلْبِ إِلَّا بِرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى الثَّنَوِيَّةِ وَالْقَائِلِينَ بِعِبَادَةِ النُّجُومِ وَالْقَائِلِينَ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً وَفِيهِ سُؤَالَاتٌ:
الْأَوَّلُ: هَلْ فِي قَوْلِهِ: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقٌ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ فَيَتَنَاوَلُ أَفْعَالَ الْعِبَادِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ نَفَى الشَّرِيكَ ذَكَرَ ذَلِكَ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا نفى الشريك كأن قائلا قال: هاهنا أَقْوَامٌ يَعْتَرِفُونَ بِنَفْيِ الشُّرَكَاءِ وَالْأَنْدَادِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ يَخْلُقُونَ أَفْعَالَ أَنْفُسِهِمْ فَذَكَرَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ لِتَكُونَ مُعِينَةً فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، قَالَ الْقَاضِي الْآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ صَرَّحَ بِكَوْنِ الْعَبْدِ خَالِقًا فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [الْمَائِدَةِ: ١١٠] وَقَالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٤] وَثَانِيهَا:
أَنَّهُ سُبْحَانَهُ تَمَدَّحَ بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ خَلْقَ الْفَسَادِ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ تَمَدَّحَ بِأَنَّهُ قَدَّرَهُ تَقْدِيرًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إِلَّا الْحُسْنَ وَالْحِكْمَةَ دُونَ غَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ لَوْ دَلَّتِ الْآيَةُ بِظَاهِرِهَا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا الْبَتَّةَ، لِأَنَّ الْخَلْقَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ فَهُوَ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا مَا يَظْهَرُ فِيهِ التَّقْدِيرُ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْأَجْسَامِ لَا فِي الْأَعْرَاضِ وَالْجَوَابُ:
أَمَّا قَوْلُهُ: وَإِذْ تَخْلُقُ وَقَوْلُهُ: أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فَهُمَا مُعَارَضَانِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزُّمَرِ:
٦٢] / وَبِقَوْلِهِ: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فَاطِرٍ: ٣] وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ التَّمَدُّحُ بِخَلْقِ الْفَسَادِ، قُلْنَا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ التَّمَدُّحُ بِهِ نَظَرًا إِلَى تَقَادِيرِ الْقُدْرَةِ وَإِلَى أَنَّ صِفَةَ الْإِيجَادِ مِنَ الْعَدَمِ وَالْإِعْدَامِ مِنَ الْوُجُودِ لَيْسَتْ إِلَّا لَهُ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ: الْخَلْقُ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الْأَجْسَامَ، فَنَقُولُ لَوْ كان كذلك لكان قوله خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ خَطَأٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي إِضَافَةَ الْخَلْقِ إِلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ إِضَافَتُهُ إِلَيْهَا.
السُّؤَالُ الثَّانِي: فِي الْخَلْقِ مَعْنَى التَّقْدِيرِ (فَقَوْلُهُ) «١» : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (مَعْنَاهُ) «٢» وَقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تقديرا؟ والجواب: المعنى [أنه] «٣» أَحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إِحْدَاثًا يُرَاعِي فِيهِ التَّقْدِيرَ وَالتَّسْوِيَةَ، فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا وَهَيَّأَهُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ، مِثَالُهُ أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى هَذَا الشَّكْلِ الْمُقَدَّرِ (الْمُسْتَوِي) «٤» الَّذِي تَرَاهُ، فَقَدَّرَهُ لِلتَّكَالِيفِ وَالْمَصَالِحِ الْمَنُوطَةِ (بِهِ فِي بَابِ) «٥» الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ حَيَوَانٍ وَجَمَادٍ جَاءَ بِهِ عَلَى الْجِبِلَّةِ الْمُسْتَوِيَةِ الْمُقَدَّرَةِ بِأَمْثِلَةِ الْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ فَقَدَّرَهُ لِأَمْرٍ ما ومصلحة ما مطابقا لما قدر [له] «٦» غَيْرَ (مُتَخَلِّفٍ) «٧» عَنْهُ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: هَلْ فِي قَوْلِهِ: فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً دَلَالَةٌ عَلَى مَذْهَبِكُمْ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي حَقِّنَا يَرْجِعُ إِلَى الظَّنِّ وَالْحُسْبَانِ، أَمَّا فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ فَلَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا العلم به والإخبار
(٢) في الكشاف (كأنه قال وقدر... ).
(٣) زيادة من الكشاف. [.....]
(٤) في الكشاف (المسوى).
(٥) في الكشاف (في بابي).
(٦) زيادة من الكشاف.
(٧) في الكشاف (متجاف).
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي