الملكُ يومئذٍ الحقُّ للرحمن أي : السلطنة القاهرة، والاستيلاء العام، الثابت ؛ الذي لا زوال له أصلاً، هو للرحمان وحده ؛ لأن كل ملْك يزول يومئذٍ، ولا يبقى إلا ملكه.
وفائدة التقييد، مع أن الملك لله في الدنيا والآخرة ؛ لأن في الدنيا قد تظهر صورة الملك للمخلوق ؛ مجازاً، ويكون له تصرف صوري، بخلاف يوم القيامة، تنقطع فيه الدعاوي، ويظهر الملك لله الواحد القهار، وكان يوماً على الكافرين عسيراً أي : وكان ذلك اليوم، مع كون الملك للمبالغ في الرحمة، عسيراً أي : صعباً، شديداً على النفوس بالنسبة للكافرين، وأما على المؤمنين فيكون يسيراً، بفضل الله تعالى. وقد جاء في الحديث : أنه يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون أخف عليهم من صلاة مكتوبة، صلَّوْهَا في الدنيا. ففي حديث أبي سعيد الخِدري حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، قلت : يا رسول الله، ما أطول هذا اليوم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده إِنَّهُ ليُخَفَّفُ على المؤمِنِ حتى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبة، يصليها في الدنيا ".
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : في الآية تحريض على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وشد اليد على التمسك بسنته، والاهتداء بهديه، واتباع ما جاء به، قبل أن تقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً. وفيها أيضاً : الترغيب في صحبة الأبرار، والترهيب من صحبة الفجار، وأنشد بعض الحكماء :| تَجَنَّبْ قَرِينَ السوء وَاصْرمْ حِبَالَهُ | فَإِن لَّمْ تَجِدْ عَنْهُ مَحيصاً فَدَارِهِ |
| وَأَحْبِبْ حَبِيبَ الصِّدْقِ وَاْحذَرْ مِرَاءَهُ | تَنَلْ مِنْهُ صَفْوَ الْوُدِّ مَا لمْ تُمارهِ |
| وَفِي الشَّيْبِ مَا يَنهى الحَلِيمَ عَن الصِّبَا | إِذا اشْتَعَلَتْ نِيَرانُه فِي عَذَارِهِ |
وقال آخر :| اصْحَبْ خِيَارَ الناسِ حَيْثُ لَقِيتَهُمْ | خَيْرُ الصَّحَابَةِ مَنْ يَكُونُ عَفِيفا |
| وَالنَّاسُ دَرَاهِمٍ مَيَّزْتُها | فَوَجَدْتُ فيهَا فِضَّةً وُزُيُوفا |
وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم قال :" مثل الجليس الصَّالح مَثَلُ العَطَّارِ، إنْ لَمْ يُحْذِكَ مِنْ عِطْره يَعْلق بك مِنْ رِيحِه. ومَثَل الجَلِيس السُّوء مَثَلُ الكِيِر، إن لم يَحْرِق ثِيابَكَ يَعْلق بك مِن رِيحِه ". وقال في الحِكَم :" لا تصحب من لا يُنْهِضُكَ حاله، ولا يَدُلُّكَ على الله مَقَالُهُ ". فإنهاض الحال هو ذكر الله عند رؤيته، والانحياش إليه بالقلب عند صحبته. ودلالة المقال على الله هو زجه في الحضرة بلا تعب، بأن يرفع بينه وبين ربه الحُجُبَ، ويقول له : ها أنت وربك. وهذه حال الصوفية العارفين بالله، وقد وصفهم بعض العلماء، فقال : الصوفي من لا يعرف في الدارين أحداً غير الله، ولا يشهد مع الله سوى الله، قد سخر له كل شيء، ولم يُسخر هو لشيء، يسلط على كل شيء، ولم يسلط عليه شيء، يأخذ النصيب من كل شيء، ولم يأخذ النصيب منه شيء، يصفو به كدر كُلِّ شيء، ولا يكدر صَفْوَه شيء، قد أشغله واحد على كل شيء، وكفاه واحد من كل شيء. هـ.
قال في التنبيه : وبصحبة أمثال هؤلاء يحصل للمريد من المزيد ما لا يحصل له بغيرها ؛ من فنون المجاهدات وأنواع المكابدات، حتى يبلغ بذلك إلى أمر لا يسعه عقل عاقل، ولا يحيط به عالم ناقل. هـ. وفي شأنهم أيضاً قال صاحب العينية رضي الله عنه :| فَشَمِّرْ وَلُذْ بالأوْلياءِ ؛ فإِنهُمْ | لهُمْ مِنْ كِتَابِ الحَقِّ تِلْكَ الوَقَائِعُ |
| هُمُ الذُّخْرُ لِلْمَلهُوفِ، والكَنْزُ للرَّجَا، | وَمِنهُمْ يَنَالُ الصَّبُّ ما هُوَ طَامِعُ |
| بِهِم يَهْتَدِي لِلْعَينْ مَنْ ضَلَّ فِي الْعَمَى | بِهمْ يُجْذَبُ العُشَّاقُ، والرَّبْعُ شَاسِعُ |
| هُمُ القَصْدُ، والمطْلُوبُ، والسُؤْلُ، والمُنَى | واسْمُهُمُ للصَّبِّ، فِي الحُبِّ شَافِعُ |
| هُمُ النَّاسُ، فَالْزَمْ إِنْ عَرَفْتَ جَنابَهُمْ | فَفيهمْ لِضُرِّ العَالَمِينَ مَنَافِعُ |
وقال الجنيد رضي الله عنه : إذا أراد الله بالمريد خيراً ألقاه إلى الصوفية، ومنعه صحبة القراء. وقال سهل رضي الله عنه : احذر صحبة ثلاثة من أصناف الناس : الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين. هـ. وقال حمدون القصار رضي الله عنه :( اصحب الصوفية ؛ فإن للقبح عندهم وجوهاً من المعاذير، وليس للحُسْنِ عندهم كبير موقع يعظمونك به ) ؛ إشارة إلى أن العجب بالعمل منفي في صحبتهم. وقال سيدنا علي رضي الله عنه : شر الأصدقاء : من أحوجك إلى المداراة، وألجأك إلى الاعتذار. وقال أيضاً : شر الأصدقاء من تُكُلِّف له. هـ. وليوسف بن الحسين الداراني رضي الله عنه :| أُحِبُّ مِنَ الإِخْوَانِ كلَّ مُواتي | فِيًّا غَضِيض الطَّرف عَن عَثراتِي |
| يوافقني في كل أمر أحبه | ويحفظُني حَياً وبَعد مماتي |
| فمن لِي بهذا، ليتني قد وَجَدْتُه | فَقَاسَمْتُهُ مَالِي مِنَ الْحَسَنَاتِ |
والحاصل من هذا ؛ أن صحبة الصوفية هي التي يحصل بها كمال الانتفاع للصاحب، دون من عداهم من المنسوبين إلى الدين والعلم ؛ لأنهم خُصوا من حقائق التوحيد والمعرفة بخصائص، لم يساهمهم فيها أحد سواهم. وسريان ذلك من الصاحب إلى المصحوب هو غاية الأمل والمطلوب، فقد قيل : مَنْ تَحَقَّقَ بِحَالَةٍ لَمْ يَخْلُ حَاضِرُوهُ مِنْهَا. انتهى من التنبيه. وبالله التوفيق.