قوله تعالى : وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً الآية.
في «خِلْفَةً » وجهان : أحدهما : أنه مفعول ثان. والثاني : أنه حال١ بحسب القولين في «جعل ». و «خلفة » يجوز أن تكون مصدراً من خلفه يخلفه إذا جاء مكانه، وأن يكون اسم هيئة منه كالرّكبة، وأن يكون من الاختلاف٢.
كقوله :
وَلَهَا بِالمَاطِرُونِ إذَا *** أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا
خِلْفَةً حَتَّى إذَا ارْتَبَعتْ *** سَكَنَتْ مِنْ جِلَّقٍ بِيَعَا
في بُيُوتٍ وَسْطَ دَسْكرةٍ *** حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا٣
ومثله قوله زهير :
بِهَا العِيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً٤ ***. . .
وأفرد «خِلْفَةً » قال أبو البقاء : لأن المعنى يخلف أحدهما الآخر، فلا يتحقق هذا إلا منهما٥.
قال ابن عباس : جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه، فمن فرط في عمل في أحدهما قضاه في الآخر، جاء رجل إلى عمر بن الخطاب٦ فقال فاتتني الصلاة الليلة فقال : أدرك ما فاتتك من ليلتك في نهارك فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة.
وقال مجاهد وقتادة والكسائي : يقال لكل شيئين اختلفا : هما خلفان، فقوله :«خلفة » أي مختلفين، هذا أسود، وهذا أبيض، وهذا طويل، وهذا قصير. والأول أقرب٧.
لمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ قراءة العامة٨ بالتشديد، وقرأ حمزة بالتخفيف٩، وعن أبيّ بن كعب «يتذكر »١٠. والمعنى : لينظر الناظر في اختلافهما، فيعلم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى حال، من ناقل ومغير فيتعظ١١.
أو أراد شكوراً قال مجاهد : أي شكر نعمة ربه عليه١٢ فيها١٣. والشُّكُور بالضم مصدر شَكَرَ شُكُوراً بمعنى الشُّكر، وبالفتح صيغة مبالغة١٤.
٢ انظر البحر المحيط ٦/٥١١..
٣ الأبيات من بحر المديد، قالها أبو دهبل الجمحي أو يزيد بن معاوية، وقد تقدم..
٤ صدر بيت من بحر الطويل، وعجزه:
وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم ***...
قاله زهير، وهو من معلقته. وقد تقدم..
٥ التبيان ٢/٩٩٠..
٦ في ب: عمر بن الخطاب – رضي الله عنه-..
٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٠٦..
٨ غير حمزة..
٩ السبعة (٤٦٦)، الكشف ٢/١٤٧، النشر ٢/٣٣٤، الإتحاف (٣٣٠)..
١٠ الكشاف ٣/١٠٣، تفسير ابن عطية ١١/٦٤..
١١ انظر الكشاف ٣/١٠٣، الفخر الرازي ٢٤/١٠٧..
١٢ عليه: سقط من الأصل..
١٣ انظر البغوي ٦/١٩١..
١٤ انظر اللسان (شكر)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود