ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

تعاقب الليل والنهار للتفكير والعمل
" وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ".
المناسبة :
لما سأل المشركون بقولهم :( وما الرحمن ) ؟ كما يسألون عن المجهول ! ذكر لهم القرآن ما يعرفهم به من عظيم آياته، وجلائل انعاماته، التي هي من آثار رحمته ؛ فذكر لهم بروج السماء، والشمس والقمر، ثم ذكر لهم تعاقب الليل والنهار.
المفردات :
( خلفة ) يقولون : خلفت الفاكهة بعضها بعضا خلفا – بالتحريك وخلفة، إذا صارت خلفا من الأولى. وخلف زيد عمرا يخلفه إذا جاء بعده في مكانه.
فالخلفة مصدر : وهو لما كان على وزن فعلة دال على الهيأة كالركبة بمعنى الهيأة من الركوب، فالخلفة إذن هيأة من الخلوف. فإذا قلت : خلفه خلفا أو خلوفا.. فقد أردت مطلق الحدث، وإذا قلت : خلفه خلفة فقد أردت هيأة خاصة من المخلوف.
( التذكر ) قبول التذكير، واعتباره واتعاظه به.
( الشكور ) مصدر شكر بمعنى القيام بعبادته وطاعته، لأجل نعمه.
( أو ) للتفصيل و التنويع ؛ لأن المستفيدين من اختلاف الليل والنهار هم المتذاكرون والشاكرون، فلا تمنع من أن يكون الشخص الواحد متذكرا شاكرا في آن واحد.
التراكيب :
( خلفة ) مفعول ثان لجعل، على معنى جعلها ذوي خلفة. وفي الإخبار تقول : الليل والنهار خلفة، والرجلان خلفة على هذا المعنى، أي يخلف أحدهما الآخر.
وكان مفردا عن الاثنين لأنه مصدر١.
والجار في ( لمن أراد ) يتعلق بجعل وكان الجعل لهما، لأنهما المستفيدان منه، ولم يكرر الاسم الموصول لأن الشخص الواحد يمكن أن يتصف بالصفتين معا.
وكرر فعل الإرادة لأنها لا بد منها في التذكير وفي الشكر.
وقيل :( أن يتذكر ) ليفيد المضارع الحدوث والتجدد، فإن الغفلة مستولية على الإنسان، والآيات المرئية ما تزال تحدث له التذكر وتجدده له.
وقيل / ( شكورا ) لمناسبة رؤوس الآي.
المعنى :
يقول تعالى وهو الذي جعل الليل والنهار، ووضعهما يختلفان ويتعاقبان على هيأة مخصوصة في التخالف والتعاقب ؛ ليستفيد من ذلك العباد.
من أراد أن يتذكر فيعتبر بما فيهما من انتقال وتغير ونظام وتقدير.
ويستدل بذلك على وجود خالقهما، وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته، ورحمته بمخلوقاته.
أو أراد أن يشكر ؛ فيقوم بعبادة خالقه المنعم عليه بجلائل النعم ودقائقها التي منها هذا الاختلاف والتعاقب بين هذين الوقتين، الذي لا يصلح حال الإنسان، ولا تنتظم أعماله ولا يستقيم عمرانه إلا به٢.
فقه لغوي :
اختيرت لفظة الخلفة هنا، لدلالتها على الهيأة، فتكون منبهة على هيأة هذا الاختلاف، بالطول والقصر المختلفين في جهات من الأرض. وذلك منبه على أسباب هذا الاختلاف من وضع جرم الأرض وجرم الشمس.
وذلك كله من آيات الله الدالة عليه، وبتلك الهيأة من الاختلاف المقدر المنظم عظمت النعمة على البشر، وشملتهم الرحمة.
فكانت هذه اللفظة الواحدة منبهة على ما في اختلاف الليل والنهار من آية دالة، ومن نعمة عامة. وهكذا جميع ألفاظ القرآن في انتقائها لمواضعها٣.
فقه شرعي :
لما كان جعل الليل والنهار خلفة لأجل التذكر والعمل، كان كل واحد منهما صالحا للعمل الذي يعمل صاحبه. فمن فاته عمل بالليل أتى به في النهار، ومن فاته عمل بالنهار أتى به في الليل. وهذا إذا كان من العادات فهو على سبيل التدارك، وإذا كان من العبادات فهو على سبيل القضاء.
قضاء الفوائت :
وقد روى ابن جرير – بسند حسن – أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فقال : فاتتني الصلاة الليلة ؟ فقال : ادرك ما فاتك من ليلتها في نهارك، فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر، أو أراد شكورا ".
ومن هذا ما رواه مسلم والأربعة عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر. كتب له كأنما قرأه من الليل ".
فقه قرآني :
قوام الإنسان :
حياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها، مبنية على الأركان الثلاث :
الإرادة، والفكر، والعمل.
وهي المذكورات في هذه الآية، لأن التذكر بالتفكر والشكر بالعمل.
فاستفادة الإنسان مما خلقه الله له، وجعله لأجله، لا تكون إلا بهذه الثلاثة.
ثلاثة تتوقف على ثلاثة :
وهذه الثلاثة متوقفة على ثلاثة أخرى لابد للإنسان منها :
فالعمل متوقف على البدن.
والفكر متوقف على العقل.
و الإرادة متوقفة على الخلق.
فالتفكير الصحيح، والإرادة القوية من الخلق المتين، والعمل المفيد من البدن السليم.
واجب الإنسان :
فلهذا كان الإنسان مأمورا بالمحافظة على هذه الثلاثة : عقله، وخلقه، وبدنه، ودفع المضار عنها، فيثقف عقله بالعلم، ويقوم أخلاقه بالسلوك النبوي، ويقوي بدنه بتنظيم الغذاء. وتوقي الأذى، والترويض على العمل.
موعظة :
قال الإمام ابن العربي : سمعت ذا نشمند الأكبر – يعني الغزالي يقول :
إن الله خلق العبد حيا عالما وبذلك كماله. وسلط عليه آفة النوم، وضرورة الحدث، ونقصان الخلقة، إذن الكمال للأول الخالق. د
فما أمكن الرجل من دفع النوم، بقلة الأكل، والسهر في الطاعة فليفعل.
ومن الغبن العظيم أن يعيش الرجل ستين سنة، ينام ليلها فيذهب النصف من عمره لغوا.
وينام نحو سدس النهار راحة فيذهب له ثلثاه، ويبقى له من العمر عشرون سنة.
ومن الجهالة والسفاهة أن يتلف الرجل ثلثي عمره في لذة فانية، ولا يتلف عمره سهرة في لذة باقية، عند الغني الوفي، الذي ليس بعديم ولا ظلوم. ا ه.
سلوك :
حافظ على العبادات في أوقاتها، واقض ما فاتك.
واربط أعمالك بأوقاتها، وتدارك ما فاتك.
ووجه قصدك إلى ما ترى من آيات الله متفكرا.
ووجه قصدك في جميع أعمالك لله سامعا مطيعا – تكن عبدا ذاكرا شاكرا سعيدا – إن شاء الله – في الدارين.
وفقنا الله إلى ذلك والمسلمين أجمعين.

١ والمصدر يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع..
٢ " وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا"..
٣ وما أحسن التفسير تعضده الأحاديث الصحاح، كما قال الإمام..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير