وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً قال أبو عبيدة : الخلفة كلّ شيء بعد شيء : الليل خلفة للنهار، والنهار خلفة لليل، لأن أحدهما يخلف الآخر ويأتي بعده ؛ ومنه خلفة النبات، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف، ومنه قول زهير بن أبي سلمى :
بها العين والآرام يمشين خلفة***وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم
قال الفراء في تفسير الآية : يقول يذهب هذا ويجيء هذا، وقال مجاهد : خلفة من الخلاف، هذا أبيض، وهذا أسود. وقيل يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان. وقيل هو من باب حذف المضاف : أي جعل الليل والنهار ذوي خلفة : أي اختلاف لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ قرأ حمزة مخففاً، وقرأ الجمهور بالتشديد، فالقراءة الأولى من الذكر لله، والقراءة الثانية من التذكر له. وقرأ أبيّ بن كعب يتذكر ، ومعنى الآية : أن المتذكر المعتبر إذا نظر في اختلاف الليل والنهار علم أنه لابدّ في انتقالهما من حال إلى حال من ناقل أَوْ أَرَادَ شُكُوراً أي أراد أن يشكر الله على ما أودعه في الليل والنهار من النعم العظيمة والألطاف الكثيرة. قال الفراء : ويذكر ويتذكر يأتيان بمعنى واحد. قال الله تعالى : واذكروا مَا فِيهِ [ الأعراف : ١٧١ ]، وفي حرف عبد الله «ويذكروا ما فيه ».
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَعِبَادُ الرحمن قال : هم المؤمنون الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً قال : بالطاعة والعفاف والتواضع. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال هَوْناً علماً وحلماً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً قال : الدائم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ قال : هم المؤمنون لا يسرفون فينفقوا في معصية الله، ولا يقترون فيمنعوا حقوق الله.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني