واختار أبو عبيد (سُرُجًا) وقال: من قرأ (سُرُجًا) أراد النجوم، وهي قد ذكرت قبل هذا، في قوله: جَعَلَ في السَّمَاءِ بُرُوجًا وهذا الذي ذكره لا يقدح في قراءة حمزة؛ لأنه يحمل البروج على غير الكواكب (١).
٦٢ - قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ذكر أهل اللغة، والمفسرون، في الخلفة، قولين (٢)؛ قال أبو عبيدة: الخلفة كل شيء بعد شيء (٣).
وقال الأصمعي: خلفة الثمر: الشيء يجيء بعد الشيء. والخلفة من نبات الصيف بعد ما يبس العشب، ومن الزروع، ما زرع بعد إدراك الذي زرع أولاً؛ لأنها تُستَخلف (٤)، وأنشد:
ولها بالماطرون إذا... أكل النمل الذي جمعا
(١) ذكر قول أبي عبيد النحاس، في "إعراب القرآن" ٣/ ١٦٦، وذكر الإجابة عنه فقال: أبان بن تغلب قال: السرج: النجوم الدراري، فعلى هذا تصح القراءة، ويكون مثل قوله جل وعز: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [البقرة: ٩٨] فأعيد ذكر النجوم النيرة. وذكر قول أبي عبيد، السمرقندي ٢/ ٤٦٥. وهو اختيار الثعلبي ٨/ ١٠١ ب.
(٢) أما ابن جرير ١٩/ ٣٠، فقد ذكر فيها ثلاثة أقوال:
١ - يخلف أحدهما صاحبه.
٢ - ما فات في أحدهما عمل في الآخر. وقد جعلهما الواحدي، قولاً واحداً.
٣ - كل واحد منهما مخالف لصاحبه.
(٣) "مجاز القرآن" ٢/ ٧٨، بمعناه. وهو قول الأزهري، قال ٧/ ٣٩٨: كل شيء يجيء بعد شيء فهو خلفة.
(٤) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٩، ٤٠٠ (خلف)، بنصه. وفيه: والخلفة ما أثبت الصيف من العشب، بعد ما يبس العشب. ولم ينشد البيت المذكور.
| خِلْفة حتى إذا ارتبعت | سكنت من جِلَّق بِيَعَا (١) |
قال الفراء: يقول يذهب هذا ويجيء هذا (٢). وهذا قول ابن عباس، في رواية عطاء، ومقاتل، وابن زيد، والضحاك، والحسن؛ قال ابن عباس: يريد من فاته شيء من الخير بالليل عمله بالنهار (٣).
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧١. واختار هذا المعنى ابن كثير ٦/ ١١٤.
(٣) أخرجه بسنده ابن جرير ١٩/ ٣٠، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- من طريق علي ابن أبي طلحة، وكذا ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨. وذكره البخاري تعليقاً، "الفتح" =
وقال مقاتل: جعل النهار (١) خلفًا من الليل، لمن نام بالليل، وجعل الليل خلفًا من النهار، لمن كانت له حاجة، وكان مشغولًا (٢).
وقال ابن زيد: يخلف أحدهما صاحبه؛ إذا ذهب أحدهما جاء الآخر، فهما يتعاقبان في الضياء والظلام، والزيادة والنقصان (٣).
وقال الضحاك: من عجز عن عمل الليل فعمل بالنهار كان له خلفًا، ومن عجز عن عمل بالنهار فعمل بالليل كان له خلفًا. وقال الحسن: جعل أحدهما خلفًا للآخر فإن فات رجلًا من النهار شيء أدركه بالليل، وإن فاته شيء بالليل أدركه بالنهار (٤). وهذا القول اختيار الليث؛ قال: أي: إذا فاته أمر بالنهار تداركه بالليل، وإذا فاته بالليل تداركه بالنهار (٥) من العبادة،
(١) في (ج)، الليل، وهو خطأ.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ أ.
(٣) أخرجه بسنده ابن جرير ١٩/ ٣٢ مطولاً. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠١ ب.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧١. وابن جرير ١٩/ ٣١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨. وساق بعده عبد الرزاق بسنده قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار". والحديث أخرجه البخاري، كتاب العلم، رقم: ٧٣، "الفتح" ١/ ١٦٥. ومسلم ١/ ٥٥٨، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، رقم: ٨١٥.
(٥) "العين" ٤/ ٢٦٨ (خلف). ولم أجده في "التهذيب". أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨، =
والذكر، وغير ذلك (١).
القول الثاني، قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفَان، وخِلْفَتَان، يقال: له ابنان خِلْفان، وله عبدان خِلْفان، وله أَمَتَان خلفان، إذا كان أحدُهما طويلاً، والآخر قصيرًا، أو كان أحدُهما أبيضَ، والآخرُ أسودَ (٢)، قال الراجز:
دَلْوَاي خِلْفان وساقياهما (٣)
يقول: إحداهما مُصْعِدَةٌ، والأخرى مُنْحَدِرة (٤)، واحد الساقين طويل، والآخر قصير (٥)، أو أحدهما أسود، والآخر أحمر. وقال غيره: يقال: ولد فلان خلفة، أي: نصف صغار، ونصف كبار، ونصف ذكور، ونصف إناث (٦). وعلى هذا (٧) الخلفة من الاختلاف الذي هو ضد الاتفاق. وهذا قول مجاهد، قال: جعل كل واحد منهما مخالفًا لصاحبه، فجعل هذا أسود، وهذا أبيض (٨).
(١) اقتصر الواحدي على هذا القول في "الوسيط" ٣/ ٣٤٥، و"الوجيز" ٢/ ٧٨٣.
(٢) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٨ (خلف)، بنصه. وهو قول أبي زيد، "النوادر في اللغة" ص ١٥.
(٣) هكذا ورد في "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٨، غير منسوب، و"اللسان" ٩/ ٩١ (خلف) كذلك، و"مقاييس اللغة" ٢/ ٢١٣، و"نوادر أبي زيد" ص ١٥.
(٤) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٨ (خلف).
(٥) في نسخة: (أ)، (ب)، بالتنوين في: طويلاً، وقصيراً.
(٦) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٨ (خلف)، بنصه. ولم يسم القائل.
(٧) في (أ)، (ب): (وهذا على).
(٨) أخرجه بسنده، عنه ابن جرير ١٩/ ٣١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨. وتفسير مجاهد =
وذكر الفراء، والزجاج، القولين جميعًا (١)، وأنشدا قول زهير:
بها العِينُ والآرام يَمشِين خِلْفةً (٢)
أي: مختلفات، في أنهما ضربان في ألوانها، وهيئتها، وتكون خلفة في مِشْيَتها، تذهب كذا، وتجيء كذا (٣). وحكى الكلبي، القولين أيضًا؛ فقال: خِلْفَةً يخلف كل واحد منهما صاحبه. قال: ويقال الخلفة: اختلاف ألوانها (٤). والخلفة: اسم من الاختلاف، أقيم مقام المصدر. والاختلاف يحتمل المعنيين جميعًا. وذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ في سورة البقرة [آية: ١٦٤] (٥)
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧١. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٤.
(٢) صدر بيتٍ وعجزه:
وأطلاؤها ينهض من كل مجثم
"ديوان زهير" ٧٥، وذكره مقتصرًا على صدره: الفراء ٢/ ٢٧١، وأبو عبيدة ٢/ ٨٠، وابن قتيبة في "الغريب" ص ٣١٤، وابن جرير ١٩/ ٣٢، والأزهري ٧/ ٣٩٩. وذكره بتمامه: الثعلبي ٨/ ١٠١ ب، وابن عطية ١١/ ٦١، قال ابن قتيبة: الآرام: الظباء البيض، والآرام: الأعلام، واحده: أرم، أي: إذا ذهب فوج الوحش، جاء فوج.
(٣) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٩ (خلف)، بنصه وذكر نحوه الفراء ٢/ ٢٧١، وابن جرير ١٩/ ٣٢.
(٤) في "تنوير المقباس" ص ٣٠٥: مختلفة بعضها لبعض.
(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: فسر الاختلاف هاهنا تفسيرين؛ أحدهما: أنه افتعال من قولهم: خلفه يخلفه إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه؛ أي: بعده.. وبهذا فسر قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً.. الثاني: قال ابن كيسان وعطاء في هذه الآية: أراد اختلافهما في الطول والقصر والنور والظلمة =
ولهذا لم يثنَّ، كما يقال: رجلان عدل. ويحتمل أن يكون الأمر من باب حذف المضاف، على تقدير: ذوي خلفة (١).
قوله: لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أي: يتذكر، فيتبين شكر الله، وموضع النعمة، وإتقان الصنعة، فيستدل به على التوحيد. والتشديد، على أنه: يتذكر، ويتفكر ليدرك العلم بقدرته، ويستدل على توحيده. وقرأ حمزة، مخففًا (٢)، على معنى (٣) أنه: يذكر ما نسيه في أحد هذين الوقتين، في الوقت الآخر. ويجوز أن يكون: على تذكر تنزيه الله تعالى، وتسبيحه فيهما؛ كما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب: ٤١] هذا كلام أبي علي (٤).
وقال الفراء: (ويذكر، ويتذكر) يأتيان بمعنى واحد؛ قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ [البقرة: ٦٣] في حرف عبد الله: (وتذكَّروا) ما فيه انتهى كلامه (٥). وفي جعل الله تعالى الليل والنهار متعاقبين، يخلف أحدهما
(١) ذكره القرطبي ١٣/ ٦٦، ولم ينسبه.
(٢) كتاب "السبعة في القراءات" ص ٤٦٦، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٨، وقرأ بها من القراء العشرة خلف، "النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٤.
(٣) (معنى) (خ).
(٤) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٨٤، قال: المعنى في قراءة حمزة: أن يذَّكَّرَ يتذكر.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧١، بلفظ: وفي قراءتنا وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ [البقرة: ٦٣] وفي حرف عبد الله (وتذكروا ما فيه) وذهب إلى أنهما بمعخى واحد: ابن جرير ١٩/ ٣٢. لم أجده عند ابن خالويه، ولا ابن جني.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي