تفسير المفردات : خلفة : أي يخلف أحدهما الآخر ويقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه.
المعنى الجملي : بعد أن بسط سبحانه أدلة التوحيد، وأرشد إلى ما في الكون من باهر الآيات، وعظيم المشاهدات، التي تدل على بديع قدرته، وجليل حكمته - أعاد الكرة مرة أخرى، وبين شناعة أقوالهم وقبيح أفعالهم، إذ هم مع كل ما يشاهدون لا يرعوون من غيّهم، بل هم عن ذكر ربهم معرضون، فلا يعظّمون إلا الأحجار والأوثان وما لا نفع فيه إن عبد، وما لا ضر فيه إن ترك، إلى أنهم يظاهرون أولياء الشيطان، ويناوئون أولياء الرحمان ؛ وإن تعجب لشيء فاعجب لأمرهم، فقد بلغ من جهلهم أنهم يضارّون من جاء لنفعهم وهو الرسول الذي يبشرهم بالخير العميم إذا هم أطاعوا ربهم، وينذرهم بالويل والثبور إذا هم عصوه، ثم هو على ذلك لا يبتغي أجرا.
ثم أمر رسوله بألا يرهب وعيدهم ولا يخشى بأسهم، بل يتوكل على ربه، ويسبح بحمده، وينزهه عما لا يليق به من صفات النقص كالشريك والولد، وهو الخبير بأفعال عباده، فيجازيهم بما يستحقون.
الإيضاح : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا أي وهو الذي جعل الليل والنهار متعاقبين يخلف أحدهما الآخر، فيكون في ذلك عظة لمن أراد أن يتعظ باختلافهما ويتذكر آلاء الله فيهما ويتفكر في صنعه، أو أراد أن يشكر نعمة ربه ليجني ثمار كل منهما، إذ لو جعل أحدهما دائما لفاتت فوائد الآخر، ولحصلت السآمة والملل، وفتر العزم الذي يثيره دخول وقت الآخر ؛ إلى نحو أولئك من الحكم التي أحكمها العلي الكبير.
وفي الحديث الصحيح :" إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ".
وعن الحسن : من فاته عمل من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب، ومن فاته بالليل كان له في النهار مستعتب، وروى أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى فقيل له : صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه ! فقال : إنه بقي عليّ من وردي شيء فأحببت أن أتمه أو قال أقضيه وتلا هذه الآية : وجعلنا الليل والنهار ( الإسراء : ١٢ )الخ.
تفسير المراغي
المراغي