الشبهة الثالثة : قوله تعالى : وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام . الآية. «ما » استفهامية مبتدأة، والجار بعدها خبر، و «يأكل » جملة حالية(١)، وبها تتم فائدة الإخبار، كقوله : فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ [ المدثر : ٤٩ ] وقد تقدم في النساء(٢) أن لام الجر كتبت مفصولة من مجرورها، وهو خارج عن قياس الخط(٣). والعامل في الحال الاستقرار العامل في الجر، أو نفس الجر ذكره أبو البقاء(٤).
قوله :«فَيَكُونَ ». العامة على نصبه، وفيه وجهان :
أحدهما : نصبه على جواب التحضيض(٥).
والثاني : قال أبو البقاء :«فَيَكُونَ » منصوب على جواب الاستفهام(٦). وفيه نظر، لأن ما بعد الفاء لا يترتب على هذا الاستفهام، وشرط النصب أن ينعقد منهما شرط وجزاء. وقرئ «فَيَكُونُ » بالرفع(٧) وهو معطوف على «أُنْزِلَ »، وجاز عطفه على الماضي ؛ لأن المراد بالماضي المستقبل إذ التقدير : لولا ينزل (٨).
قوله :«أَوْ يُلقَى. . . أَوْ تَكُون » معطوفان على «أنزل » لما تقدم من كونه بمعنى ينزل، ولا يجوز أن يُعطفا على «فَيَكُون » المنصوب في الجواب ؛ لأنهما مندرجان في التحضيض في حكم الواقع بعد «لولا »، وليس المعنى على أنهما جواب للتحضيض، فَيُعْطَفا على جوابه(٩). وقرأ الأعمش وقتادة أَوْ يَكُونُ لَهُ بالياء من تحت(١٠) ؛ لأن تأنيث الجنة مجازي(١١).
قوله :«يَأْكُلُ مِنْهَا » الجملة في موضع الرفع صفة ل «جَنّة ». وقرأ الأخوان(١٢) «نَأْكُلُ » بنون الجمع، والباقون بالياء من تحت أي : الرسول(١٣).
قوله :«وَقَالَ الظَّالِمُون » وضع الظاهر موضع المضمر ؛ إذ الأصل «وَقَالُوا ».
قال الزمخشري : وأراد بالظالمين إياهم بأعيانهم (١٤).
قال أبو حيان : وقوله ليس تركيباً سائغاً بل التركيب العربي أن يقول أرادهم(١٥) بأعيانهم (١٦).
فصل
وهذه الشبهة التي ذكروها في نهاية الرذالة، فقالوا : مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق يلتمس المعاش كما نلتمس فمن أين له الفضل علينا ؟ وكيف يمتاز عنّا بالنبوة، وهو مثلنا في هذه الأمور.
وقالوا : لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ هلاّ أنزل إليه ملك فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً يصدقه ويشهد له، ويرد على من خالفه.
٢ عند قوله تعالى: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا [النساء: ٧٨]..
٣ لأن قياس الخط اتصال لام الجر بمجرورها، وذكر مكي أن علة الفصل أنه كتب على لفظ المملي، كأنه كان يقطع لفظه "مال... هذا" فكتب الكاتب على لفظه، وذكر أن الفراء قال: أصله: ما بال هذا الرسول، ثم حذف (با) فبقيت اللام منفصلة. وقيل: إن أصل حروف الجر أن تأتي منفصلة مما بعدها نحو (في، عن، على) فأتى ما هو على حرف على قياس ما هو على حرفين. مشكل إعراب القرآن ٢/١٣٠..
٤ قال أبو البقاء: (قوله تعالى: يأكل الطعام هو في موضع الحال، والعامل فيها العامل في "لهذا" أو نفس الظرف) التبيان ٢/٩٨١..
٥ انظر الكشاف ٣/٨٩، البيان ٢/٢٠٢، التبيان ٢/٩٨١، البحر المحيط ٦/٤٨٣..
٦ التبيان ٢/٩٨١..
٧ حكاه أبو معاذ. المختصر (١٠٤)، البحر المحيط ٦/٤٨٣..
٨ انظر الكشاف ٣/٨٩، البحر المحيط ٦/٤٨٣، وجوز أبو حيان أيضا أن يكون جواب التحضيض على إضمار (هو)، أي فهو يكون..
٩ انظر الكشاف ٣/٨٩، البيان ٢/٢٠٢، البحر المحيط ٦/٤٨٣..
١٠ انظر المختصر (١٠٤)، البحر المحيط ٦/٤٨٣..
١١ في ب: مجاز..
١٢ حمزة والكسائي..
١٣ السبعة (٤٦٢)، الحجة لابن خالويه (٢٦٤)، الكشف ٢/١٤٤، النشر ٢/٣٣٣، الإتحاف (٣٢٧)..
١٤ الكشاف ٣/٨٩..
١٥ في ب: أراهم. وهو تحريف..
١٦ البحر المحيط ٦/٤٨٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود