وقوله : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ [ عَمَلا ] صَالِحًا (١) أي : جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر إِلا مَنْ تَابَ في الدنيا إلى الله(٢) من جميع ذلك، فإن الله يتوب عليه.
وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض(٣) بين هذه وبين آية النساء : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [ النساء : ٩٣ ] فإن هذه
وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب، لأن هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال [ الله ](٤) تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [ النساء : ٤٨، ١١٦ ].
وقد ثبتت السنة الصحيحة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، وقبل منه، وغير ذلك من الأحاديث.
وقوله : فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا : في معنى قوله : يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ قولان :
أحدهما : أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ قال : هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك فحوَّلهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.
وروى مجاهد، عن ابن عباس أنه كان ينشد عند هذه الآية :
| بُدّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَريفا(٥) | وَبَعْدَ طُول النَّفَس الوَجيفَا(٦) |
وقال عطاء بن أبي رباح : هذا في الدنيا(٧)، يكون الرجل على هيئة قبيحة، ثم يبدله الله بها خيرا.
وقال سعيد بن جبير : أبدلهم بعبادة الأوثان عبادة الله، وأبدلهم(٨) بقتال المسلمين قتالا مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وقال الحسن البصري : أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وأبدلهم بالفجور إحصانا وبالكفر إسلاما.
وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة آخرين.
والقول الثاني : أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف، رحمهم الله تعالى - وهذا سياق الحديث - قال الإمام أحمد :
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سُوَيْد، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة : يؤتى برجل فيقول : نَحّوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال : فيقال له : عملت يوم كذا وكذا كذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا ؟ فيقول : نعم - لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا -
فيقال : فإن لك بكل سيئة حسنة. فيقول : يا رب، عملت أشياء لا أراها هاهنا ". قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. وانفرد به مسلم(٩).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا هاشم بن يزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضَمْضَم بن زرعة، عن شُرَيْح بن عبيد(١٠) عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان : أعطني صحيفتك. فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أن ينام أحدكم فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة " (١١).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة وعارم قالا حدثنا ثابت - يعني : ابن يزيد أبو زيد - حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال : يعطى رجل يوم القيامة صحيفته فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته(١٢)، فإذا كاد(١٣) يسوء ظنه نظر(١٤) في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات.
وقال أيضا : حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى الزهري أبو داود، حدثنا أبو العَنْبَس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال : ليأتين الله عز وجل بأناس(١٥) يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات، قيل : مَنْ هم يا أبا هريرة ؟ قال : الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات.
وقال أيضا : حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو حمزة، عن أبي الضيف - وكان من أصحاب معاذ بن جبل - قال : يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف : المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين. قلت : لِمَ سموا أصحاب اليمين ؟ قال : لأنهم عملوا الحسنات(١٦) والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرؤوا سيئاتهم حرفا حرفا - قالوا : يا ربنا، هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا ؟. فعند ذلك محا الله السيئات وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا :( هاؤم اقرؤوا كتابيه )، فهم أكثر أهل الجنة.
وقال علي بن الحسين زين العابدين : يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ قال : في الآخرة.
وقال مكحول : يغفرها لهم فيجعلها حسنات :[ رواهما ابن أبي حاتم، وروى ابن جرير، عن سعيد بن المسيب مثله ](١٧).
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم،
حدثنا أبو(١٨) جابر، أنه سمع مكحولا يحدث قال : جاء شيخ كبير هرم قد سقط(١٩) حاجباه على عينيه، فقال : يا رسول الله، رجل غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة ؟ فقال له رسول الله(٢٠) صلى الله عليه وسلم :" أسلمتَ ؟ " قال(٢١) : أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن(٢٢) محمدًا عبده ورسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل(٢٣) سيئاتك حسنات ". فقال : يا رسول الله، وغَدَراتي وفَجَراتي ؟ فقال :" وغَدرَاتك وفَجَراتك ". فَوَلّى الرجل يهلل ويكبر(٢٤)-(٢٥).
وروى الطبراني من حديث أبي المغيرة، عن صفوان بن عَمْرو(٢٦)، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي فَرْوَةَ - شَطْب - أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة ؟ فقال :" أسلمتَ ؟ " فقال : نعم، قال :" فافعل الخيرات، واترك السيئات، فيجعلها(٢٧) الله لك خيرات كلها ". قال : وغَدرَاتي وفَجَراتي ؟ قال :" نعم ". قال فما زال يكبر حتى توارى(٢٨).
ورواه الطبراني من طريق أبي فَروة الرهاوي، عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحِمْصي، عن يحيى بن جابر، عن سلمة بن نفيل مرفوعًا(٢٩).
وقال أيضًا : حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان، عن فُلَيْح الشماس، عن عبيد بن أبي عبيد(٣٠) عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : جاءتني امرأة فقالت : هل لي من توبة ؟ إني زنيت وولدت وقتلته. فقلت(٣١) لا ولا نَعمت العين ولا كرامة. فقامت وهي تدعو بالحسرة. ثم صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بئسما قلت ! أما كنت تقرأ هذه الآية : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى قوله : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا فقرأتها عليها. فخرَّت ساجدة وقالت : الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا.
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي رجاله مَنْ لا يُعرف والله أعلم. وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن المنذر الحزَامي بسنده بنحوه، وعنده : فخرجت تدعو بالحسرة وتقول : يا حسرتا ! أخلق هذا الحسن للنار ؟ وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تَطَلَّبها(٣٢) في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرت ساجدة، وقالت : الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا وتوبة مما عملت. وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله عز وجل(٣٣)
٢ - في ف :"إلى الله في الدنيا"..
٣ - في أ :"ولا معارض"..
٤ - زيادة من ف، أ..
٥ - في أ :"صريفا"..
٦ - البيت في تفسير الطبري (١٩/٣٠)..
٧ - في أ :"هذا يكون في الدنيا"..
٨ - في ف :"وبدلهم"..
٩ - المسند (٥/١٧٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٠)..
١٠ - في ف، أ :"عبدة"..
١١ - المعجم الكبير للطبراني (٣/٢٩٦) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) "فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف" ولم يثبت سماعه عن أبيه أيضا..
١٢ - في أ :"إساءته"..
١٣ - في أ :"كان"..
١٤ - في أ :"ينظر"..
١٥ - في أ :"أناس"..
١٦ - في أ :"بالحسنات"..
١٧ - زيادة من ف، أ..
١٨ - في أ :"ابن"..
١٩ - في أ :"أسقطت"..
٢٠ - في أ :"النبي"..
٢١ - في أ :"فقال"..
٢٢ - في أ :"وأشهد أن"..
٢٣ - في أ :"ويبدل"..
٢٤ - في ف، أ :"يكبر ويهلل"..
٢٥ - وقد وصله الإمام أحمد في مسنده (٤/٣٨٤) من طريق نوح بن قيس عن أشعث بن جابر الحداني عن مكحول عن عمرو بن عبسة به مرفوعا باختصار في أوله وآخره، وقال الهيثمي في المجمع (١/٣٢) :"رجاله موثقون إلا أنه من رواية مكحول عن عمرو بن عبسة، فلا أدري أسمع منه أم لا"..
٢٦ - في أ :"عمر"..
٢٧ - في ف، أ :"فيجعلهم"..
٢٨ - المعجم الكبير للطبراني (٧/٣١٤) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٣/٣٥٢) من طريق أبي القاسم البغوي عن محمد بن هارون الحربي عن أبي المغيرة به. وقال أبو القاسم البغوي :"روى هذا الحديث غير محمد بن هارون عن أبي المغيرة عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم طويلا شطب الممدود، وأحسب أن محمد بن هارون صحف فيه، والصواب ما قال غيره"..
٢٩ - المعجم الكبير للطبراني (٧/٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (١/٣١) :"في إسناده ياسين الزيات يروي الموضوعات"..
٣٠ - في هـ، ف، أ :"عن فليح بن عبيد بن أبي عبيد الشماس عن أبيه" والمثبت من الطبري..
٣١ - في أ :"فقال"..
٣٢ - في ف :"فطلبها"..
٣٣ - تفسير الطبري (١٩/٢٧) ورواه ابن مردويه كما في الدر المنثور (٦/٢٧٩) وقال السيوطي :"إسناده ضعيف"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة