ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

استثناء التائبين من المذنبين
" " إلا من تاب وآمن وعمل صالحا، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، و كان الله غفورا رحيما ".
سبب النزول :
أخرج الشيخان(١) عن ابن عباس – رضي الله عنهما واللفظ لمسلم، قال ابن عباس :( نزلت هذه الآية بمكة " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر... مهانا ".
فقال المشركون : وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا(٢) بالله، وقد قتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش ؟
فأنزل اله عز وجل :" إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا.. " ) الآية.
وجه الارتباط "
لما ذكر الله تعالى عظائم الذنوب وأكبر كبائرها، وتوعد بالوعيد الشديد عليها، عقبها بذكر التوبة منها، ورغب فيها ؛ لينبه عباده على طريق الرجوع إليه، وأن من تاب منهم إلى الله تاب الله عليه.
المفردات التوبة النصوح :
( التوبة ) الرجوع إلى الله، أي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وذلك بالندم على ما فات، والعزم على عدم العود إليه، و هذان من عمل القلب. وبالإقلاع عما هو ملتبس به، وهذا من عمل الجوارح.
( الإيمان ) عندما يذكر مع الأعمال يراد به تصديق القلب و يقينه واطمئنانه بعقائد الحق.
والعمل الصالح هو العمل الطيب المشروع من طاعة الله على العباد، سواء كان من عمل الباطن وهو عمل القلب أو من عمل الظاهر، وهو عمل الجوارح.
والعمل الصالح من ثمرات الإيمان الدال وجودها على وجوده، وكمالها على كماله، ونقصها على نقصه، وعدمها على اضطرابه و وشك انحلاله واضمحلاله.
( التبديل ) التحويل فتجعل الحسنة مكان السيئة.
( الغفور ) الستار للذنوب، المتجاوز عنها ( الرحيم ). المنعم الدائم الإنعام.
التراكيب :
( إلا من تاب ) استثناء من يفعل، استثناء متصلا لأن الذي يتوب من جملة من فعل، والفاء في ( فأولئك ) تفريعية، لتفرع التبديل على التوبة، وعاطفة الجملة أولئك على جملة استثنى، التي قامت مقامها إلا. كما عطفت عليها الجملة الأخيرة جملة وكان، ونظير هذا من يقم منكم فله درهم إلا زيدا فله درهمان.
المعنى :
يستثنى من ذلك الوعيد الشديد بمضاعفة العذاب والخلود فيه مهانا، من رجع إلى الله عن الشرك، وقتل النفس، والزنا بالتوبة الصادقة، وشفع توبته بالعمل الصالح الدال على صدق تلك التوبة، فهؤلاء بتوبتهم وعملهم الصالح يقلبهم الله مكان سيآتهم حسنات، وكان الله غفورا يتجاوز عن ذنوب عباده ؛ فقد تجاوز عما كبن منهم من شرك أو قتل، أو زنا. رحيما منعما على عباده، فقد أنعم عليهم بالحسنات مكان ما تقدم من سيآتهم.
ترتيب وتوجيه :
يكون العاصي في غمرات معصيته، فإذا ذكر الله، ووفقه اله أسف على حاله ورجع إلى ربه، وهذه أول الدرجات في توبته، فإذا استشعر قلبه اليقين، واطمأن قلبه بذكر الله صمم على الإعراض عن المعصية، والإقبال على الطاعة ؛ فإذا كان صادقا في هذا العزم، فلابد أن يظهر أثر ذلك على عمله، فلهذا روعيت الحالة الأولى فذكرت التوبة، والثانية فذكر الإيمان، والثالثة فذكر عمل صالح.
تأييد واقتداء :
روى الأئمة عن كعب بن مالك – رضي اله عنه – أحد الثلاثة الذين خلفوا. (٣)
وأنه لما جلس يدي النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بعد ما تاب الله عليه،
قال : يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي إلى الله، وإلى رسول الله– صلى الله عليه وآله وسلم -.
فقال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - :" أمسك بعض مالك فهو خير لك.
قال فقلت : فإنني أمسك سهمي الذي بخيبر ".
فهذا الصحابي الجليل رأى أن من توبته أن يعمل هذا العمل الصالح ليكون دليلا على صدق ثوبته، كما اقتضته الآية فتأيد بفهمه ما قدمنا، وكان خير قدوة للتائبين.
وجوه التبديل :
لما كانت السيئة حسنة كان معنى التبديل هو جعل الحسنة مكان السيئة.
وهذا على وجوه :
أولها : محو السيئات الماضية بالتوبة، وكتابة حسنة التوبة وما فيها من عمل باطن وظاهر كما تقدم.
وثانيها : تركه المعصية وإتيانه بالعمل الصالح، حتى صار يعمل الصالحات بعدما كان يعمل السيئات.
و ثالثهما : أن نفسه كانت بالمعصية مظلمة شريرة فتصير بالتوبة والعمل الصالح منيرة خيرة.
فالتبديل في الكتب والعمل وحالة النفس.
مسألتان أصوليتان
الأولى : هل يخرج غير التائب من النار :
التأبيد في جهنم للمشرك وغير التائب :
استثنى الله التائب من مضاعفة العذاب والخلود فيه مهانا، فبقي غير التائب للخلود.
والخلود كما قدمناه في الآية السابقة طول البقاء، و لا يقتضي التأبيد وقد لا يكون : فمع التأبيد لا خروج ومع عدمه الخروج
و غير التائب الذي بقي لخلود المطلق في الآية هو : المشرك والقاتل والزاني.
فأما المشرك فلا خروج له من النار ؛ لقوله تعالى :" إن الله لا يغفر أن يشرك به ".
عذاب أهل الإيمان ليس على التأبيد :
وأما القاتل والزاني إذا كان من أهل الإيمان فإنهما يخرجان بعد شديد العذاب بما معهما من الإيمان ؛ لأحاديث صحيحة منها ما رواه الشيخان :(٤)عن أنس رضي الله عنهم :
" يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ".
ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكلن في قلبه من الخير ما يزن برة.
ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة " (٥). زاد البخاري في رواية قتادة عن أنس : من إيمان مكان خير، وهذا من عدل الله ورحمته، فإنه أذاقهم من العذاب الشديد والهون المخزي جزاءهم، ثم أخرجهم من النار، وما أضاع عليهم إيمانهم، إن الله بالناس لرؤوف رحيم(٦).
الثانية : هل لقاتل النفس ظلما وعدوانا من توبة ؟ :
رأي ابن عباس :
ذهب ابن عباس في المشهور عنه، الذي رواه الشيخان وغيرهما : أنه لا لا توبة له. وقال في هذه الآية : إنها نزلت في المشركين، وذكر سبب نزولها كما تقدم. وقال – إثره – أما من دخل في الإسلام وعقله، ثم قتل فلا توبة له.
وقال في هذه الآية : إنها آية مكية نسختها آية مدنية وهي آية الفرقان :" ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب اله عليه ولعنه، وأعد له عذابا عظيما " (٧).
النسخ همنا والرأي فيه :
ومراده بالنسخ التخصيص : يعني أن لفظة من في ( إلا من تاب ) عامة، تشمل القاتل فتقضي بعمومها أن له توبة. وأن آية الفرقان التي جاءت في القاتل خصصتها وأخرجته من عمومها.
قال ابن رشد :- بنقل الأبي - : وإلى هذا ذهب مالك لأنه قال :" لا يؤمن القاتل وإن تاب ". قال ابن رشد : وهذا لأن القتل فيه حق الله، وحق للمقتول، وشرطه التوبة من مظالم العباد رد التبعات أو التحلل، وهذا لا سبيل للقاتل إليه إلا بأن يعفو عنه المقتول قبل القتل(٨).
رأي السلف وأهل السنة :
وذهب جمهور السلف، وأهل السنة : إلى أن للقاتل توبة، ونظروا في هذه الآية إلى عموم لفظها لا إلى خصوص سبب نزولها، وجعلوا عموم " ومن يقتل " في آية الفرقان مخصصا بمن تاب، المستثنى في هذه الآية. فابن عباس خصص من تاب بمن يقتل. وهم عكسوا فخصصوا من يقتل بمن تاب.
ويرجع تخصيصهم العمومات الدالة على قبول التوبة من كل مذنب مثل قوله تعالى :" ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ".
وقوله " إن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ".
وقوله :" وقابل التوب ".
وحديث :" التائب من الذنب كمن لا ذنب له " في عمومات كثيرة.
والظاهر إذا كثرت تفيد القطع.
قدوى في الفتوى :
قال ابن رشد : كان ابن شهاب إذا سئل يستفهم السائل ويطاوله، فإن ظهر له أنه لم يقتل يفتيه بأنه لا توبة له، وإن تعرف بأنه قتل أفتاه بأن التوبة تصح.
قال ابن رشد : وإنه لحسن من الفتوى. فهكذا ينبغي مراعاة الأحوال، في تنزيل الأقوال فإن لم يقتل يجب التشدد عليه، وسد الباب في وجهه ومن قتل ينبغي ترغيبة في الرجوع إلى الله.
وفي مراعاة هذا الأصل والاقتداء بهذا الإمام فوائد كثيرة في الحث على الخير، والكف عن الشر، والحكيم من ينزل الأشياء في منازلها، كانت أعمالا أو كانت أقوالا.
ترهيب :
ما أعظم هذا الذنب وما أكبره ! ! ونعوذ بالله من ذنب اختلف أئمة السلف في قبول توبة مرتكبه، وقد أجمعوا على قبول توبة الكافر.
ولعظم شأن الدماء ؛ كانت أول ما يقضي فيه يوم القيامة بين الخلق.
فإياك أيها الأخ أن تلقى اله تعالى بمشاركة في سفك قطرة من دم ظلما ولو بكلمة، فإن الأمر صعب، والموقف خطير ! !(٩).

١ البخاري ومسلم..
٢ أشر كوابه..
٣ خلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم في تبوك..
٤ البخاري ومسلم..
٥ شعيرة: حبة شعير، برة : حبة قمح، ذرة : واحدة الذر من الهباء الدقيق المنتشر في الفضاء لخفته وتناهيه في الصغر، ومع ذلك فهو معتبر في الحساب والعقاب والثواب، فسبحان الحكم العدل..
٦ ولكن غمسة في جهنم تنسي كل نعيم الدنيا، وغمسة في الجنة تنسي شقائها..
٧ سورة النساء ٩٣..
٨ وهذا محال..
٩ وسبحان الله العظيم: للكافر توبة، وخلاف في توبة القاتل، فزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من قتل رجل مؤمن.
.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير