ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

إلا من تاب عن الشرك وآمن وعمل عملا صالحا إلى قوله تعالى : غفورا رحيما ونزلت قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ١ الآية قال ابن عباس إلا من تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل عملا صالحا فيما بينه وبين ربه وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال لما أنزل في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي الآية قال مشركو مكة قد قتلنا النفس بغير الحق ودعونا مع الله إلها آخر وأتينا الفواحش فنزلت إلا من تاب ٢ وقال البغوي أخبرنا عن ابن عباس قال قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآية ثم نزلت إلا من تاب وآمن فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء وفرحه بها فرحه إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فإن قيل : لا يجوز الاستثناء مفصولا فكيف يقال بنزوله بعد سنتين ؟ قلنا : نزلت هذه الآية أول مرة بغير الاستثناء ثم نزلت تلك الآيات مع الاستثناء فهذه الآية ناسخة الأولى في المقدار المستثنى فإن قيل تقرر في الأصول أن محل النسخ الأحكام دون الأخبار وهذه الآية إخبار فكيف يمكن نسخه ؟ قلنا : عدم جواز النسخ في الإخبار لعدم إحتمال التخلف فيها كيلا يلزم وآية الوعيد يجوز نسخه لأنه أنشئ للوعيد يحتمل التخلف فيه تفضلا ومغفرة هذه الآية تدل على أن الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس كما يدل على ذلك الاستثناء المفرغ وليس كما قالوا أن المستثنى في حكم المسكوت عنه والاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا إذ لو كان كذلك لما لجاز نسخ المنطوق بالمسكوت وقوله عملا صالحا منصوب على المفعولية أو المصدر به فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات فذهب جماعة على أن المراد أن يمحو الله سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم أو يبدل الله في الدنيا ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة ويوفقه لأضداد ما سلف منهم من المعاصي وهذا معنى قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والسدي يبدل الله بقبائح ما عملوا في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام فيبدل الله لهم بالشرك التوحيد وبقتل المؤمنين قتل المشركين المحاربين وبالزنى عفة وإحصانا وذهب جماعة إلى أن المراد أن الله تعالى يبدل سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة تفضلا وهو قول سعيد بن المسيب ومكحول وعائشة وأبي هريرة وسلمان رضي الله عنهم أجمعين ويؤيده حديث أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال أعرضوا صغائر ذنوبه فتعرض عليه صغائرها وتخبأ كبائرها فيقال أعملت كذا وكذا وهو يقر ليس ينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال أعطوه مكان كل سيئة حسنة فيقول إن لي ذنوبا لا أراها هاهنا فلقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه " ٣ رواه مسلم وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان قال يعطى رجل يوم القيامة صحيفة فيقرأ أعلاها فإذا يكاد ليسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات وأخرج أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ليأتين الله بناس يوم القيامة ودوا أنهم أكثروا من السيئات قيل من هم ؟ قال الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات. فإن قيل كيف يتصور تبديل ا لسيئة على هذا المعنى بالحسنة وكيف يثاب على السيئة فإن السيئة أمر مكروه غير مرضي لله تعالى فكيف يتصور كونه مرضيا له تعالى فإن الله لا يرضى لعباده الكفر والعصيان ؟ قلت : توجيه ذلك عندي بوجهين أحدهما : أن عباد الله الصالحين كلما صدر عنهم ما كتب الله عليهم من العصيان ندموا غاية الندم واستحقروا أنفسهم غاية الاستحقار والتجئوا إلى الله تعالى كمال الالتجاء وخافوا عذاب الله مع رجاء المغفرة فاستغفروه حتى صاروا مهبطا لكمال الرحمة بحيث لو لم يدنبوا لم يصيروا بهذه المثابة فعلى هذا صاروا عصيانهم الذي كان سبب للعقاب سببا للثواب ولو بتوسط الندم والتوبة ومن هاهنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله ويغفر لهم " ٤ رواه مسلم من حديث أبي هريرة وقال رسول الله : صلى الله عليه وسلم :" استغفروا لماعز بن مالك لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لو سعتهم " ٥ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد حين سب المرأة الغامدية " مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له " ٦ رواه مسلم في قصة ماعز والغامدية عن بريدة وهذا ما قيل معصية أولها غفلة وآخرها ندامة خير من طاعة أولها عجب وآخرها رؤية. ثانيهما أن الغائصين في بحار المحبة قد يصدر منهم أمور لا يتزن بميزان الشرع ككلمات الشيخ والسماع والوجد ورهبانية ابتدعوها يجعل الله تعالى هذه الأمور الصادرة منهم كلها حسنات لصدورها عن محبة صرفة ومن هاهنا قال العارف الرومي مثنوي :

فرجه كيرد علتي علت شرد كفر كيرد كاملي ملت شرد
كاريا كان راقياس ازخودمكير*** كرجه ما نددو نوشتن شيرشير
أو بدل كشت وبدل شدكاراو لطف كشت ونورشد هرناراو
ولعل ما ورد في حديث أبي ذر أنه يقال " أعرضوا صغائر ذنوبه فيعرض عليه صغائرها ويخبأ عنه كبائرها " اشارة إلى هذا فإن هذه الأمور التي تصدر من الكاملين لغلبة المحبة إنما هي بميزان الشرع صغار الذنوب دون كبائرها يجعلها الله تعالى لهم حسنات لكونها ناشئة من منابع المحبة وأما كبار الذنوب التي صدرت عنهم على سبيل الندرة لما كتب الله تعالى صدورها عنهم فيخبأ عنهم ويغفر ويسترو لا يذكركما أشير إليه بقوله تعالى :
وكان الله غفورا رحيما يغفر الذنوب جميعا صغائرها وكبائرها بالتوبة وبلا توبة قلت لعل قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إشارة إلى فناء القلب فإن المرء بعد فناء بعد فناء قلبه لا يقصد شيئا غير الله ولا يرجوا شيئا إلا منه ولا يخاف غيره وكل ما هو مقصود لك فهو معبود لك بل لا يري غيره موجود الموجود متأصل والإله هو الوجود بوجود متأصل يقتضي ذاته وجوده فإن قيل أليس المؤمنون عامة قبل الفناء يعتقدون بأن الله موجود بوجود يقتضيه ذاته وغيره ليس كذلك ؟ قلت : بلى يعتقدون ذلك لكن بالاستدلال دون الرؤية والشهود ويشهد على ذلك بداهة الوجدان وخوفهم وطمعهم من الخلق وقوله تعالى : ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون إشارة إلى فناء النفس وأن النفس الأمارة بالسوء إذا فنيت واطمأنت بمرضاة الله تعالى انسلخ عن دواعي العصيان والدليل على هذه الإشارة وصفهم بهذه الصفات بعد وصفهم بصفات الكمال بقوله عباد الرحمن الذين يمشون إلى آخره ولو كان المراد به التوحيد المجازي والتقوى الظاهري لقدم ذلك على الصفات المذكورات فيما سبق
١ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (١٢٢) وأخرجه البخاري في كتاب: التفسير باب: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم (٤٨١٠)..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: التفسير باب: يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (٤٧٦٥) وأخرجه مسلم في كتاب: التفسير (٣٠٢٣)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١٩٠)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: التوبة باب: الذنوب بالاستغفار توبة (٢٧٤٩)..
٥ أخرجه مسلم في كتاب: الحدود باب: من اعترف على نفسه بالزنا (١٦٩٥)..
٦ أخرجه مسلم في كتاب: الحدود باب: من اعترف على نفسه بالزنا (١٦٩٥).

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير