ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

قوله : إِلاَّ مَن تَابَ فيه وجهان :
أحدهما : وهو الذي لم يعرف الناس غيره : أنه استثناء متصل ؛ لأنه من الجنس١.
والثاني : أنه منقطع. قال أبو حيان : ولا يظهر، يعني الاتصال ؛ لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب ( فيصير التقدير : إلاَّ مَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَلاَ يُضَاعَفُ لَهُ العَذَابُ ) ٢، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المُضَعَّف، فالأولى عندي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي : لكن مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيّآتِهِمْ حَسَنَاتٍ وإذا كان كذلك فلا يلقى عذاباً ألبتة٣.
قال شهاب الدين : والظاهر قول الجمهور، وأمَّا ما قاله فلا يلزم إذ المقصود الإخبار بأنَّ من فعل كذا فإنه يحلُّ به ما ذكر إلا أن يتوب، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها فلا تعرُّض في الآية له٤. واعلم أن البحث الذي ذكره أبو حيان ذكره أيضاً ابن الخطيب فقال : دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك، لأنه أثبت أنه٥ يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفي لصحة الاستثناء أن لا يضاعف للتائب ضعفين، وإنما يدلّ عليه قوله : فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ٦.

فصل


نقل عن ابن عباس أنه قال : توبة القاتل لا تقبل، وزعم أن هذه الآية منسوخة ( بقوله تعالى ) ٧ : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً [ النساء : ٩٣ ]، وقالوا : نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين، وتقدم في سورة النساء٨.
فإن قيل : العمل الصالح يدخل في التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح حَشْوٌ ؟ فالجواب : أفردهما بالذكر لعلوّ شأنهما ولما كان لا بدَّ معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح٩.
قوله : فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ .
قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد وقتادة : التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل١٠ المؤمنين قتل١١ المشركين، وبالزنا إحصاناً وعفة١٢. وقيل : يبدل الله سيئاتهم١٣ التي عملوها في الإسلام حسنات١٤.
قال الزجاج : السيئة بعينها لا تصير حسنةً، فالتأويل : أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يُحْبِطُ اللَّه عَمَلَهُ ويثبت عليه السَّيِّئَات١٥.
قوله :«سَيِّئَاتِهِمْ » هو المفعول الثاني للتبديل، وهو المقيد بحرف الجر، وإنما حذف، لفهم المعنى، و «حسنات » هو الأول المسرح١٦، وهو المأخوذ، والمجرور بالباء هو المتروك١٧، وقد صرح بهذا في قوله تعالى : وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ١٨ [ سبأ : ١٦ ] وقال :
تَضْحَكُ مِنِّي أُخْتُ١٩ ذَاتِ النِّحْييْنِ ***. . .
أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِلَوْنِ لَوْنَيْنِ ***. . .
سَوَادَ وَجْهٍ وَبَيَاضَ عَيْنَيْنِ٢٠ ***. . .
وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله٢١ : وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله ٢٢ [ البقرة : ٢١١ ].
١ انظر التبيان ٢/٩٩١..
٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٣ البحر المحيط ٦/٥١٥..
٤ الدر المصون ٥/١٤٦ – ١٤٧..
٥ أنه: سقط من ب..
٦ الفخر الرازي ٢٤/١١٢..
٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١٢..
٩ المرجع السابق..
١٠ في ب: بقل. وهو تحريف..
١١ في ب: قبل. وهو تحريف..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١٢..
١٣ سيئاتهم: سقط من ب..
١٤ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١٢..
١٥ معاني القرآن وإعرابه ٤/٧٠٦..
١٦ في ب: المفتوح. وهو تحريف..
١٧ انظر البحر المحيط ٦/٥١٥ – ٥١٦..
١٨ [سبأ: ١٦]. واستشهد بها على أن الباء تدخل على المفعول الثاني وهو المتروك..
١٩ في ب: نلت. وهو تحريف..
٢٠ من الرجز لم أهتد إلى قائله، وقد تقدم..
٢١ في ب: قوله تعالى..
٢٢ من قوله تعالى: ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب [البقرة: ٢١١]..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية