قوله :«تَخْرُجْ » الظاهر أنه جواب لقوله «أَدْخِلْ » أي : إن أدْخلْتها تَخْرُجُ على هذه الصفة١، وقيل : في الكلام حذفٌ تقديره : وأدْخِلْ يَدَكَ تَدْخُل٢، وأخرجها تخرج، فحذف من الثاني ما أثبته في الأول، ومن الأول ما أثبته في الثاني٣، وهذا تقدير ما لا حاجة إليه.
قوله :«بَيْضَاء » حال من فاعل «تَخْرُجْ »٤، و «مِنْ غَيْرِ سُوءٍ » يجوز أن يكون حالاً أخرى أو من الضمير في «بَيْضَاءَ »، أو صفة ل «بَيْضَاءَ »٥ والمراد بالجيب : جيب القميص، قال المفسرون كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا إزار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق٦. قوله :«في تِسْعِ » فيه أوجه :
أحدها : أنه حال ثالثة، قاله أبو البقاء يعني من فاعل «تخرج »، أي آية في تسع آيات، كذا قدره٧.
الثاني : أنه متعلق بمحذوف، أي : اذهب٨ في تسع آياتٍ٩، وقد تقدم اختيار الزمخشري كذلك عند ذكر البسملة، ونظره بقول الآخر :
٣٩٣٤ - فَقُلْتُ إلَى الطَّعَامِ فَقَالَ مِنْهُمْ١٠ ***. . .
وقولهم : بالرَّفاء والبنين١١ وجعل هذا التقدير أقرب١٢ وأحسن١٣.
الثالث : أن يتعلق بقوله :" وألق عصاك وأدخل ".
قال الزمخشري : ويجوز أن يكون المعنى : وألْقِ عَصَاكَ وَأَدْخِلْ يَدَكَ في تِسْع آيَاتٍ، أي : في جملة تسع آياتٍ. ولقائل أن يقول : كانت الآيات إحدى عشرة منها اثنتان اليد والعصا، والتِّسع الفَلْقُ، والطُّوفان، والجراد، والقُمَّل، والضَّفادع، والدَّم، والطَّمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان من مزارعهم١٤ انتهى.
وعلى هذا تكون ( في ) بمعنى ( مَعَ ) أي : هذه آية مع تسع آيات١٥ أنت مرسل بهن إلى فرعون وقومه، لأن اليد والعصا حينئذ خارجتان من التسع، وكذا قال ابن عطية، أعني أنه جعل «فِي تِسْعِ » متصلاً ب «أَلْقِ » و «أَدْخِلْ »، إلا أنه جعل اليد والعصا من جملة التسع، وقال : تقديره : تُمَهِّدُ لك ذلك وتيسِّر في تسع١٦، وجعل الزجاج ( في ) بمعنى ( من )١٧، قال كما تقول : خذ لي من الإبل عشراً فيها فحلان، أي منها فحلان١٨.
قوله :«إلَى فِرْعَونَ » هذا يتعلق بما تعلق به «فِي تِسْع » إذا لم نجعله حالاً، فإن جعلناه حالاً علقناه بمحذوف، فقدّره أبو البقاء مرسلاً إلى فرعون١٩. وفيه نظر، لأنه كونٌ مقيَّدٌ، وسبقه إلى هذا التقدير الزجاج٢٠، وكأنهما أرادا٢١ تفسير المعنى دون الإعراب.
وجوَّز أبو البقاء أيضاً أن تكون صفة ل «آيَاتٍ »، وقدَّره : واصلةً إلى فرعون٢٢، وفيه ما تقدم.
٢ تدخل: سقط من ب..
٣ حكاه أبو حيان. البحر المحيط ٧/٥٨..
٤ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١٤٦، البيان ٢/٢٩٩..
٥ انظر التبيان ٢/١٠٠٥..
٦ انظر البغوي ٦/٢٦٢-٢٦٣..
٧ التبيان ٢/١٠٠٥..
٨ قال الزمخشري: (و "في تسع آيات" كلام مستأنف وحرف الجرّ فيه يتعلق بمحذوف، والمعنى: اذهب في تسع آيات "إلى فرعون") الكشاف ٣/١٣٥..
٩ آيات: سقط من ب..
١٠ صدر بيت من بحر الوافر، قاله سمير بن الحارث الضبي، أو تأبط شراً، وعجزه:
فريق تحسد الأنس الطعاما
وهو في الكشاف ١/٥، ٣/١٣٥، السبع الطوال ٢٩٦، الحر المحيط ٧/٥٨، شرح شواهد الكشاف (١٠٧). والشاهد فيه قوله: (إلى الطعام) فإنه متعلق بفعل محذوف تقديره: أدعوكم..
١١ أي: أعرست بالرفاء والبنين. انظر مجمع الأمثال للميداني ١/١٧٥-١٧٦..
١٢ في النسختين: أعرب..
١٣ انظر الكشاف ١/٤-٥..
١٤ الكشاف ٣/١٣٥..
١٥ هذا تعقيب أبي حيان. البحر المحيط ٧/٥٨..
١٦ انظر تفسر ابن عطية ١١/١٧٨..
١٧ في النسختين: مع من. والصواب ما أثبته..
١٨ قال الزجاج: ( ومثل قوله: "في تسع آيات" ومعناه من تسع قولهم: خذ لي عشراً من الإبل فيها فحلان، المعنى: منها فحلان) معاني القرآن وإعرابه ٤/١١٠..
١٩ قال أبو البقاء: (و"إلى" متعلقة بمحذوف، تقديره: مرسلاً إلى فرعون) التبيان ٢/١٠٠٥..
٢٠ لم أجده في معاني القرآن وإعرابه للزجاج، وهو في البحر المحيط ٧/٥٨..
٢١ في ب: أراد..
٢٢ قال أبو البقاء: (ويجوز أن يكون صفة لـ "تسع" أو لـ "آيات"، أي: واصلة إلى فرعون) التبيان ٢/١٠٠٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود