ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

قوله :«فَمَكَثَ » قرأ عاصم بفتح الكاف، والباقون بضمها(١)، وهما لغتان، إلا أن الفتح أشهر، ولذلك جاءت الصفة(٢) على ماكث، دون مكيث(٣)، واعتذر عنه بأن فاعلاً قد جاء لفَعُل بالضم، نحو : حَمُضَ فهو حامض، وخَثُر فهو خاثر، وفَرُهَ فهو فاره.
قوله :«غَيْرَ بعِيدٍ »، يجوز أن يكون صفة للمصدر، أي مكثاً غير بعيد، وللزمان أي : زماناً غير بعيد(٤)، وللمكان أي : مكاناً غير بعيد(٥)، والظاهر أن الضمير في مكث للهدهد(٦)، وقيل : لسليمان(٧) - عليه السلام(٨) - فقال : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ، والإحاطة : العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول : علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك.
قوله :«مِنْ سَبَأ »، قرأ البزِّيّ(٩)، وأبو عمرو بفتح الهمزة(١٠)، جعلاه اسماً للقبيلة أو البقعة، فمنعاه من الصرف للعلمية والتأنيث، وعليه قوله :

٣٩٤٦ - مِنْ سَبَأَ الحَاضِرِينَ مَأْربَ إِذْ يَبْنُونَ مِنْ دُون سَيْلِهِ العَرِمَا(١١)
وقرأ قُنْبُل بسكون الهمزة(١٢)، كأنه نوى الوقف وأجرى الوصل مجراه، والباقون بالجر والتنوين(١٣)، جعلوه اسماً للحيِّ أو المكان، وعليه قوله :
٣٩٤٧ - الوَارِدُونَ وَتَيْمٌ فِي ذُرَى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جِلْدُ الجَوَامِيسِ(١٤)
وهذا الخلاف جارٍ بعينه في سورة سبأ(١٥).
وفي قوله : مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ فيه من البديع التجانس، وهو : تجنيس التصريف، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف(١٦) كهذه الآية، ومثله : تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (١٧).
وفي الحديث :«الخَيْلُ مَعْقُود بِنَواصِيهَا الخَيْرُ »(١٨)، وقال آخر :
٣٩٤٨ - لِلَّهِ مَا صَنَعَتْ بِنَا تِلْكَ المَعَاجِرُ وَالمَحَاجِرْ(١٩)
وقال الزمخشري : وقوله مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ من جنس الكلام الذي سماه المحدثون(٢٠) البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعاً، أو يصنعه عالم بجوهر هذا الكلام، يحفظ معه صحة المعنى وسداده، ولقد جاء هنا زائداً على الصحة، فحسن وبدع لفظاً ومعنى، ألا ترى أنه لو وضع مكان :«بنبأ » :«بخبر » لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصح لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال(٢١).
يريد بالزيادة : أن النبأ أخص من الخبر، لأنه لا يقال إلا فيما له شأن من الأخبار، بخلاف الخبر، فإنه يطلق على ما له شأن، وعلى ما لا شأن له، فكلّ نبأ خبر من غير عكس. وبعضهم يعبر عن نحو : مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ في علم البديع بالترديد، قاله صاحب التحرير(٢٢)، وقال غيره(٢٣) : إن الترديد عبارة عن رد أعجاز البيوت على صدورها، أو ردّ كلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني، فمثال الأول قوله :
٣٩٤٩ - سَرِيعٌ إِلَى ابْنِ العَمِّ يَلْطمُ وَجْهَهُ وَلَيْسَ إلَى دَاعِي الخَنَا بِسَرِيعِ(٢٤)
ومثال الثاني قوله :
٣٩٥٠ - وَاللَّيَالِي إِذَا نَأَيْتُمْ طِوَالٌ واللَّيَالِي إذَا دَنَوْتُمْ قِصَارُ(٢٥)
وقرأ ابن كثير في رواية :«مِنْ سباً » مقصوراً منوناً(٢٦)، وعنه أيضاً :«مِنْ سَبْأَ » بسكون الباء وفتح(٢٧) الهمزة(٢٨)، جعله على فَعْل ومنعه من الصرف(٢٩)، لما تقدم. وعن الأعمش :«من سَبَإِ » بهمزة مكسورة غير منونة(٣٠)، وفيها إشكال ؛ إذ لا وجه للبناء، والذي يظهر أن تنوينها لا بد وأن يقلب ميماً وصلاً، ضرورة ملاقاته للباء، فسمعها الراوي ؛ فظن أنه كسر من غير تنوين(٣١). وروي عن أبي عمرو :«مِنْ سَبَا » بالألف صريحة(٣٢)، كقولهم : تفرقوا أيدي سبا(٣٣). وكذلك قرئ «بِنَبَا » بألف خالصة(٣٤)، وينبغي أن يكونا لقارئ واحد(٣٥) وسبأ في الأًصل : اسم رجل من قحطان، واسمه : عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وسبأ لقلب له، وإنما لقلب به : لأنه أول من سبأ(٣٦).
١ السبعة (٤٨٠)، الكشف ٢/١٥٥، النشر(٣٣٦)، الإتحاف (٣٣٥)..
٢ يقصد اسم الفاعل من هذا الفعل..
٣ انظر الكشف ٢/١٥٥..
٤ انظر البيان ٢/٢٢٠..
٥ انظر التبيان ٢/١٠٠٦..
٦ انظر البحر المحيط ٧/٦٥..
٧ انظر تفسير ابن عطية ١١/١٩٠، القرطبي ١٣/١٨٠..
٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٩ في الأصل: اليزيدي..
١٠ السبعة (٤٨٠)، الكشف ٢/١٥٥، النشر (٣٣٧)، الإتحاف (٣٣٥)..
١١ البيت من بحر المنسرح، قاله النابغة الجعدي، وهو في الكتاب ٣/٢٥٣، الكشاف ٣/١٣٩، تفسير ابن عطية ١١/١٩١، الإنصاف ٢/٥٠٢، القرطبي ١٣/١٨١، اللسان (سبأ، عرم)..
١٢ السبعة(٤٨٠)، الكشف ٢/١٥٥، النشر (٣٣٧)، الإتحاف (٣٣٥-٣٣٦)..
١٣ السبعة(٤٨٠)، الكشف ٢/١٥٥، النشر (٣٣٧)، الإتحاف (٣٣٥-٣٣٦)..
١٤ البيت من بحر البسيط، قاله جرير في هجاء عمرو بن لجأ التيمي، وهو في معاني القرآن للفراء ٢/١٣٩، تفسير ابن عطية ١١/١٩١، أمالي ابن الشجري ٢/٣٨، ٣٤٣، القرطبي ١٣/١٨١، البحر المحيط ٧/٦٦ معنى: (عض أعناقهم جلد الجواميس): أن الجلود المصنوعة من جلد الجواميس قد أثرت في أعناقهم.
والشاهد فيه هنا أن (سبأ) جعل اسما للحي أو المكان، ولهذا صرف..

١٥ يشير إلى قوله تعالى: لقد كان لسبأ في مسكنهم آية[سبأ: ١٥]..
١٦ انظر الإيضاح (٣٩٦-٣٩٧)..
١٧ [غافر: ٧٥]..
١٨ أخرجه البخاري (مناقب) ٢/٦٨٣، مسلم (زكاة) ٢/٦٨٣، (إمارة) ٣/١٤٩٢-١٤٩٣، أبو داود (جهاد) ٢/٩٣٣. ومالك (جهاد) ٢/٤٦٧، أحمد ٣/٣٩، ٥/١٨١..
١٩ البيت من مجزوء الكامل، لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر المحيط ٧/٦٦. المعاجر: جمع معجر: وهو غطاء الرأس من المرأة والعمامة من الرجل. والمحاجر: جمع محجر- بكسر الميم وفتحها-: ما دار بالعين وظهر من البرقع من جميع العين. والشاهد فيه قوله: (المعاجر والمحاجر) فإنه جناس تصريف لاختلاف اللفظين في حرف واحد..
٢٠ في النسختين: النحويون. والتصويب من الكشاف..
٢١ الكشاف ٣/١٣٩..
٢٢ انظر البحر المحيط ٧/٦٦، وكتاب التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير من جمع الشيخ جمال الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان نن حسن بن حسين المقدسي، عرف بابن النقيب-رحمه الله تعالى- هو أحد مصادر أبي حيان في كتابه البحر المحيط..
٢٣ هو صاحب كتاب التفريع بفنون البديع. انظر البحر المحيط ٧/٦٦..
٢٤ البيت من بحر الطويل، قاله الأقيشر الأسدي، وهو في الإيضاح للقزويني (٤٠٠)، البحر المحيط ٧/٦٦، معاهد التنصيص ٢/٨٢، الخزانة ٤/٤٨٨. ويروى: إلى داعي الندى. والخنا: من قبيح الكلام. والشاهد فيه رد العجز على الصدر، وهو قوله: (سريع.... بسريع)..
٢٥ البيت من بحر الخفيف، ولم أهتد إلى قائله، وهو في البحر المحيط ٧/٦٦..
٢٦ المختصر (١٠٩)، البحر المحيط ٧/٦٦..
٢٧ في ب: وبفتح..
٢٨ ذكره أبو معاذ. انظر المختصر (١٠٩)، البحر المحيط ٧/٦٦..
٢٩ قال أبو حيان: (بناه على فعلى فامتنع من الصرف للتأنيث اللازم) البحر المحيط ٧/٦٦..
٣٠ المختصر (١٠٩)، تفسير ابن عطية ١١/١٩١..
٣١ قال أبو حيان: ( يصعب توجيهها) البحر المحيط ٧/٦٦..
٣٢ قال أبو حيان: (وروى ابن حبيب عن اليزيدي "من سبا" بألف ساكنة، كقولهم: تفرقوا أيدي سبا) البحر المحيط ٧/٦٦..
٣٣ مجمع الأمثال للميداني ٢/٤..
٣٤ انظر البحر المحيط ٧/٦٦..
٣٥ في النسختين: واحد. والصواب ما أثبته..
٣٦ انظر البحر المحيط ٧/٦٦..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية