الفصل الخامس
الآية الثامنة :
" فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبإ بنبإ يقين ".
الألفاظ والتراكيب :
( مكث ) : أقام وقرأ عاصم بفتح الكاف ( غير ) : صفة زمان محذوف فالتقدير زمانا غير بعيد.
فاعل ( مكث ) : هو الهدهد مثل فاعل قال الآتي.
( أحطت ) : الإحاطة بالشيء، عقليا هي العلم به من جميع نواحيه.
( سبأ ) : اسم مدينة باليمن، سميت باسم سبأ جد العرب اليمانية حمير وغيرها، و صرفه الجمهور على اعتبار المكان، ومنه من الصرف المكى والبصري على اعتبار البلدة.
( بنبأ ) : النبأ الخبر الذي له شأن وخطورة. ( واليقين ) : المحقق جعله نفس اليقين مبالغة في تحقق.
وفي الكلام إيجاز بالحذف١ إذ المعنى فجاء الهدهد فسأله سليمان عليه السلام عن سبب مغيبه فقال :....
المعنى :
لم تطل غيبة الهدهد عن مركزه في جنود سليمان، فلم يلبث في غيبته إلا زمنا قصيرا، وكان سؤال سليمان عن غيبته فور رجوعه، فأسرع بالجواب والاعتذار عن الغيبة، والدفاع عن نفسه، فقال : اطلعت على شيء لم تطلع أنت عليه، وعرفته من جميع نواحيه، وقد أتيتك من بلدة سبأ بخبر خطير، ذي شأن عظيم تيقنته غاية اليقين.
توجيه واستنباط :
كان في جواب الهدهد حجة بينة لسبب غيابه، وذلك لأنه لم يذهب عابثا، ولا لغرض خاص به، وإنما ذهب مستطلعا مكتشفا، فحصل علما، وجاء بخبر عظيم في زمن قصير، فرجحت هذه الفوائد العظيمة بتركه لمركزه في الجند فسقطت عنه المؤاخذة.
مخالفة جائزة :
فإن قيل : إن أصل مفارقته لمركزه دون استئذان كان مخالفة يستوجب عليها العقوبة ؟
فالجواب أن هذه المخالفة كانت لقصد حسن وهو الاستطلاع، وأثمرت خيرا، فاستحق العفو عن تلك المخالفة التي كانت عن نظر، ولم تكن عن تهاون وانتهاك للحرمة.
فإن قيل : ما الذي أوقع في نفس الهدهد رغبته في طلب ما طلب ؟
فالجواب : أنه يجوز أن يكون قد مر باليمن من مكان بعيد ببصره الحاد، فرغب في المعرفة، أو أن يكون قد مر باليمن من قبل، ولم يتحقق من حالها فأراد أن يتحقق.
قاعدة أصولية :
وهذه الآية مأخذة من مآخذ الأصل القائل : إن المخالف للأمر عن غير انتهاك للحرمة لا يؤاخذ بتلك المخالفة.
ومن فروع هذا الأصل سقوط الكفارة عمن أفطر رمضان معتمدا متأولا تأويلا قريبا.
عزة العلم وسلطانه :
ابتدأ الهدهد جوابه معتزا بما أحاط به من العلم، متجملا بما حصل منه، مظهرا لارتفاع منزلته به، متحصنا به من العقاب.
ولم تمنعه عظمة سليمان – عليه السلام – من إظهار علمه وإعلان اختصاصه به دون سليمان.
أدب واقتداء :
قد سمع سليمان هذا الهدهد وأقره عليه، فللصغير أن يقول للكبير وللحقير أن يقول للجليل. علمت ما لم تعلم، وعندي ما ليس عندك إذا كان من ذلك على يقين، وكان لقصد صحيح.
لا كبير في العلم :
ومن أدب من قيل له ذلك ولو كان كبيرا جليلا أن يتقبل ذلك، ولا يبادر برده، وعليه أن ينظر فيه ليعرف مقدار صدق قائله فيقبله أو يرده بعد النظر والتأمل ؛ إذ قد يكون في أصغر مخلوقات الله وأحقرها، من يحيط علما بما لم يحط مثل سليمان – عليه السلام – في علمه وحكمته، واتساع مدركاته.
وكفى بمثل هذا زاجرا لكل ذي علم عن الإعجاب بعلمه، والاعتزاز بسعة اطلاعه، والترفع عن الاستفادة ممن دونه٢.
مدرك عقيدة :
علم الغيب :
لا يعلم أحد من الأنبياء – عليهم السلام – شيئا مما غاب عنه إلا بإعلام الله، فليس لهم كشف عام عن جميع ما في الكون، وإنما يعلمون منه ما أطلعهم الله عليه.
ومن مدارك ذلك هذه القصة : فإن سليمان عليه السلام، لم يكن يعلم من مملكة سبأ شيئا حتى أطلعه الله عليه بواسطة الهدهد.
وإذا كان هذا حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فغيرهم من عباد الله الصالحين من باب أحرى وأولى٣.
تحقيق تاريخي :
تحذير :
رويت في عظم ملك سليمان روايات كثيرة ليست على شيء من الصحة، ومعظمها من الإسرائيليات الباطلة، التي امتلأت بها كتب التفسير، ما تلقى من غير تثبت ولا تمحيص، من روايات كعب الأخبار ووهب بن منبه.
وروى شيئا من ذلك الحاكم في مستدركه، وصرح الذهبي ببطلانه.
ومن هذه المبالغات الباطلة أنه ملك الأرض كلها مشارقها ومغاربها، فهذه مملكة عظيمة بسبأ كانت مستقلة عنه، ومجهولة لديه، على قرب ما بين عاصمتها باليمن وعاصمته بالشام٤.
٢ والحكمة ضالة المؤمن أني وجدها أخذها..
٣ عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحدا إلا من ارتضى من رسول"..
٤ ولعل الأوان قد آن لتصفية هذه التفاسير والأقاويل، وتحديد إقامة مثل هذه الروايات حرصا على عقيدة المسلمين..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي