ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

ثم يقول الحق سبحانه :
وقالت لأخته قصيه(١) فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ١١
قصيه : يعني : تتبعي أثره، وراقبي سيره إلى أين ذهب ؟ وماذا فعل به ؟ وحين سمعت الأخت هذا الأمر سارعت إلى التنفيذ ؛ لذلك استخدم الفاء الدالة على التعقيب وسرعة الاستجابة فبصرت به١١ ( القصص ) ولم يقل : فقصته ؛ لأن البصر وإن كان بمعنى الرؤية إلا أنه يدل على العناية والاهتمام بالمرئي.
ومعنى : عن جنب... ١١ ( القصص ) من ناحبة بحيث لا يراها أحد، ولا يشعر بتتبعها له، واهتمامها به، ومن ذلك ما حكاه القرآن من قول السامري : بصرت بما لم يبصروا به.... ٩٦ ( طه ) أي : رأى من حيث لا يطلع أحد عليه.
ونلحظ هنا أن أخت موسى أخذت الأمر من أمها قصيه... ١١ ( القصص ) فقط ولم تلفت نظرها إلى هذا الاحتياط عن جنب... ١١ ( القصص ) مما يدل على ذكاء الفتاة وقيامها بمهمتها على أكمل وجه، وإن لم تكلف بذلك، وهذا من حكمة المرسل الحريص على أداء رسالته على وجهها الصحيح.
وما أجمل ما قاله الشاعر في هذا المعنى :
إذا كنت في حاجة مرسل ا فأرسل حكيما ولا توصه
وقوله تعالى : عن جنب... ١١ ( القصص ) يظن البعض أن جنب يعني قريب مني، وهذا غير صحيح ؛ لأن معنى الجنب ألا تكون في مواجهتي، لذلك يقول تعالى : والجار ذي القربى والجار الجنب... ٣٦ ( النساء ) إذن : الجار الجنب مقابل الجار القريب، فمعناه الجار البعيد.
ومن ذلك قولنا :( فلان تجنبني، أو فلان واخد جنب مني )
أي : يبتعد عني، إذن : البعض يفهم هذه الكلمة على عكس مدلولها.
ألا ترى لقول إبراهيم عليه السلام : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام... ٣٥ ( إبراهيم ) وقوله تعالى : واجتنبوا قول الزور٣٠ ( الحج ) فالاجتناب يعني : الابتعاد.
وفي تحرم الخمر قال تعالى : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام(٢) رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه... ٩٠ ( المائدة ) فطلع علينا من يقول : هذا ليس نصا في التحريم، لأنه لم يقل حرمت عليكم، فهي مجرد موعظة ونصيحة.
ونقول : لو فهمت معنى فاجتنبوه... ٩٠ ( المائدة ) لعلمت أنها أقوى في التحريم من حرمت عليكم ؛ لأن معنى حرمت عليكم الخمر يعني : لا تشربوها، أما اجتنبوه... ٩٠ ( المائدة ) يعني : ابتعدوا عنها كلية شربا أو بيعا، أو شراء، أو نقلا، أو حتى الجلوس في مجالسها.

١ القص: اتباع الأثر. ويقال: خرج فلان قصصا في أثر فلان وذلك إذا اقتص أثره. (لسان العرب- مادة: قصص)..
٢ الأزلام: جمع زلم: وهي قطعة من الخشب تشبه السهم يقترعون بها، فيقسمون بها الذبائح، يكتب على كل زلم عدد الأنصاب يأخذه من المقامرين من يخرج له وهو نوع من الميسر المحرم شرعا.('القاموس القويم ١/٢٨٩)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير