١١ - قوله: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ لأخت موسى قُصِّيهِ: اتبعي أثره (١). يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئًا بعد شيء قصًا وقصصًا.
قال المبرد: فلان يقص أثر الجيش أي: يتبعه متعرفًا (٢).
وقد ذكرنا هذا الحرف في القصاص والقصص (٣).
قال ابن عباس: تريد: اطلبي أثره، وانظري أين وقع، وإلى من صار (٤). وقال مجاهد: اتبعي أثره كيف يصنع به (٥).
وقال مقاتل: قصي أثره حتى تعلمي علمه من يأخذه (٦).
وقال ابن إسحاق: انظري ماذا يفعلون به (٧). هذا قول المفسرين.
(٢) لم أجده في "التهذيب"، مادة: قص، وفي "الكامل" ٢/ ١٠١٨: تقصه: تتبعه، قال الله -عز وجل-: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ أي: اتبعي أثره.
(٣) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة: ١٧٩]: القصاص في اللغة: المماثلة، وأصله من قولهم: قصصت أثره إذا تتبعته، ومنه قوله تعالى: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص: ١١].
(٤) ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم ٨/ ٥٠٦، بلفظ: اتبعي أثره. وباللفظ الذي ذكره الواحدي هنا أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٨، وفي رواية عندهما عن ابن عباس: قصي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا؟ أحي ابني أم أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها به.
(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٨.
(٦) "تفسير مقاتل" ٦٣ ب. واقتصر الأخفش على قول: قُصي أثره. "معاني القرآن" ٢/ ٦٥٢. وكذا قتادة، تفسير عبد الرزاق ٢/ ٨٨. وهو كذلك في "تاريخ الطبري" ١/ ٣٨٩.
(٧) في نسخة: (أ)، (ب): أبو إسحاق. وخبر ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٨، وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٩، عن قتادة.
ودل كلامهم على أن القص: تتبع الأثر مع التعرف؛ كما قال المبرد.
قوله: فَبَصُرَتْ بِهِ قال ابن عباس: أبصرته (١).
قال المبرد: بصرت بالشيء، وأبصرته واحد في المعنى (٢). والفصل بينهما مع اجتماعهما في المعنى أن: بصرت به، معناه: صرت بصيرًا بموضعه. وهكذا فعلت، معناه: انتقلت إلى تلك الحال. قوله تعالى: عَنْ جُنُبٍ أي: عن بعد (٣). وهو مصدر، ثم وصف به. وكذلك قالوا: رجل جنب، ورجال جنب، ومنه قوله تعالى: وَالْجَارِ الْجُنُبِ [النساء: ٣٦] وقد مر (٤).
وقال المبرد: وقد يجمع أجنابًا، كما تقول (٥) في شُغل، وهو مصدر مثله: أشغال. قالت الخنساء ترثي (٦):
| فابْكي أخاكِ لأيتامٍ وأرملةٍ | وابكي أخاكِ إذا جاورتِ أجنابا (٧) |
(٢) في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٩٨: هما لغتان. ولم أجد قول المبرد في "التهذيب". وذكر قول المبرد، الشوكاني "فتح القدير" ٤/ ١٥٦.
(٣) ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم ٨/ ٥٠٦. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٩٨. وحكاه عنه ابن الأنباري، في كتابه "الزاهر" ١/ ٤٣٠. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٤٢ أ.
(٤) قال الواحدي في تفسير الجنب في سورة النساء: الجُنُب نعت على: فُعُل، مثل: أُحُد.. وأصله من الجنابة ضد القرابة، وهو البعد.. ورجل جنب إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله.
(٥) كما تقول: ساقط من نسخة (ج).
(٦) ترثي، في نسخة (ج).
(٧) "ديوان الخنساء" ٧. تخاطب في هذا البيت عينها. واستشهد به المبرد "الكامل" ٢/ ٩٠٤، على أنه يجمع: جُنُب: أجناب.
قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير عَنْ جُنُبٍ قال: عن جانب (١). [وقال مجاهد: عن بُعد (٢). وقال عكرمة وقتادة: بصرت به وهي مجانبة لم تأته (٣)] (٤).
وقال مقاتل: عَنْ جُنُبٍ كأنها مجانبة له ترقبه، وعينها إلى التابوت وهي معرضة عنه بوجهها (٥). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: أبصرته من شق عينها اليمنى.
وقال أبو إسحاق: عَنْ جُنُبٍ أي: عن بُعد، تُبصره، ولا تُوهم أنها تراه (٦).
وقال ابن قتيبة: فَبَصُرَتْ بِهِ من بُعد منها عنه، وإعراض لئلا يفطنوا (٧)، والمجانبة من هذا (٨). وقال الفراء: يقول: كانت على شاطئ البحر حين رأت آل فرعون قد التقطوه (٩). ولم يذكر الفراء ما ذكره غيره من أنها تجتنب أن يفطنوا بها؛ واقتصر من تفسير قوله: عَنْ جُنُبٍ على البعد فقط. وليس المعنى في قوله: عَنْ جُنُبٍ بُعد المسافة كما توهمه؛ وإنما
(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٨.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٨، عن قتادة. وكذا ابن جرير ٢٠/ ٣٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٨.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).
(٥) "تفسير مقاتل" ٦٣ ب.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٣٤. ونحوه في "وضح البرهان" ٢/ ١٤٧.
(٧) لها. غير موجودة في النسخ الثلاث.
(٨) "غريب القرآن" ٣٢٩.
(٩) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٠٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي