قُصِّيه: يعني: تتبعي أثره، وراقبي سيره إلى إين ذهب؟ وماذا فُعِل به؟ وحين سمعت الأخت هذا الأمر سارعتْ إلى التنفيذ؛ لذلك استخدم الفاء الدالة على التعقيب وسرعة الاستجابة فَبَصُرَتْ بِهِ [القصص: ١١] ولم يقُلْ: فقصَّته؛ لأن البصر وإنْ كان بمعنى الرؤية إلا أنه يدل على العناية والاهتمام بالمرئي.
صفحة رقم 10892
ومعنى: عَن جُنُبٍ [القصص: ١١] من ناحية بحيث لا يراها أحد، ولا يشعر بتتبعها له، واهتمامها به. ومن ذلك ما حكاه القرآن من قول السامري: بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ [طه: ٩٦] أي: رأى من حيث لا يطَّلِع أحد عليه.
ونلحظ هنا أن أخت موسى أخذتْ الأمر من أمها قُصِّيهِ [القصص: ١١] فقط ولم تلفت نظرها إلى هذا الاحتياط عَن جُنُبٍ [القصص: ١١] مما يدلُّ على ذكاء الفتاة وقيامها بمهمتها على أكمل وجه، وإن لم تُكلَّف بذلك، وهذا من حكمة المرسَل الحريص على أداء رسالته على وجهها الصحيح.
ما أجملَ ما قاله الشاعر في هذا المعنى:
| إذَا كُنْتَ في حَاجةٍ مُرْسِلاً | فأَرسِلْ حَكيماً ولاَ تُوصِهْ |
فكأن الفتاة حين ذهبت لتتبع سَيْر التابوت أخذتْ مكاناً بعيداً منه، حتى لا يفطن أحد إلى متابعتها له.
ومن ذلك قولنا: (فلان تجنّبني، أو فلان واخد جنب مني) أي: يبتعد عني، إذن: البعض يفهم هذه الكلمة على عكس مدلولها.
ألاَ ترى لقول إبراهيم عليه السلام: واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام [إبراهيم: ٣٥] وقوله تعالى: واجتنبوا قَوْلَ الزور [الحج: ٣] فالاجتناب يعني: الابتعاد. صفحة رقم 10893
وفي تحريم الخمر قال تعالى: إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه [المائدة: ٩٠] فطلع علينا مَنْ يقول: هذا ليس نصاً في التحريم، لأنه لم يقُلْ حرَّمْت عليكم، فهي مجرد موعظة ونصيحة.
ونقول: لو فهمت معنى فاجتنبوه [المائدة: ٩٠] لعلمتَ أنها أقوى في التحريم من حرمت عليكم؛ لأن معنى حرَّمتْ عليكم الخمر يعني: لا تشربوها، أما فاجتنبوه [المائدة: ٩٠] يعني: ابتعدوا عنها كليةً شُرْباً أو بَيْعاً، أو شراء، أو نقلاً، أو حتى الجلوس في مجالسها.
ثم تتحدث الآيات بعد ذلك عن تمهيدات الأقدار للأقدار، فتقول: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي