وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع المراضع جمع مرضع : أي منعناه أن يرضع من المرضعات. وقيل : المراضع جمع مرضع بفتح الضاد، وهو الرضاع، أو موضعه، وهو الثدي، ومعنى مِن قَبْلُ من قبل أن نردّه إلى أمه، أو من قبل أن تأتيه أمه، أو من قبل قصها لأثره، وقد كانت امرأة فرعون طلبت لموسى المرضعات ليرضعنه، فلم يرضع من واحدة منهنّ فعند ذلك قَالَتْ أي أخته لما رأت امتناعه من الرضاع هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنون لكم القيام به وإرضاعه وَهُمْ لَهُ ناصحون أي مشفقون عليه لا يقصرون في إرضاعه وتربيته. وفي الكلام حذف، والتقدير : فقالوا لها : من هم ؟ فقالت : أمي، فقيل لها : وهل لأمك لبن ؟ قالت : نعم لبن أخي هارون : فدلتهم على أمّ موسى، فدفعوه إليها، فقبل ثديها، ورضع منه، وذلك معنى قوله سبحانه : فرددناه إلى أُمّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا .
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب في قوله : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أي ولاة الأمر وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين أي الذين يرثون الأرض بعد فرعون وقومه وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ قال : ما كان القوم حذروه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى أي ألهمناها الذي صنعت بموسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال : قال ابن عباس في قوله : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ قال : أن يسمع جيرانك صوته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً قال : فرغ من ذكر كل شيء من أمر الدنيا إلاّ من ذكر موسى. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً قال : خالياً من كل شيء غير ذكر موسى. وفي قوله : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال : تقول : يا إبناه. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله : وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصّيهِ أي اتبعي أثره فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ قال : عن جانب. وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة ؛ ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة :«أما شعرت أن الله زوّجني مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وامرأة فرعون ؟» قالت : هنيئاً لك يا رسول الله )، وأخرجه ابن عساكر عن ابن أبي روّاد مرفوعاً بأطول من هذا، وفي آخره : أنها قالت : بالرفاء والبنين. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله : وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ قال : لا يؤتى بمرضع فيقبلها.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني