ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

معنا إذن في هذه القصة أحكام ثلاثة لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء [القصص: ٢٣] أعطَتْ حكماً و وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص: ٢٣] أعطتْ حُكْماً و فسقى لَهُمَا [القصص: ٢٤] أعطت حكماً ثالثاً.
وهذه الأحكام الثلاثة تُنظم للمجتمع المسلم مسألة عمل المرأة، وما يجب علينا حينما تُضطر المرأة للعمل، فمن الحكم الأول نعلم أن سَقْي الأنعام من عمل الرجال، ومن الحكم الثاني نعلم أن المرأة لا تخرج للعمل إلا للضرورة، ولا تؤدي مهمة الرجال إلا إذا عجز الرجل عن أداء هذه المهمة وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص: ٢٣].

صفحة رقم 10904

أما الحكم الثالث فيعلم المجتمع المسلم أو حتى الإنساني إذا رأى المراة قد خرجت للعمل فلا بد أنه ليس لها رجل يقوم بهذه المهمة، فعليه أن يساعدها وأنْ يُيسِّر لها مهمتها.
وأذكر أنني حينما سافرت إلى السعودية سنة ١٩٥٠ ركبتُ مع أحد الزملاء سيارته، وفي الطريق رأيته نزل من سيارته، وذهب إلى أحد المنازل، وكان أمامه طاولة من الخشب مُغطَّاة بقطعة من القماش، فأخذها ووضعها في السيارة، ثم سِرْنا فسألتُه عما يفعل، فقال: من عاداتنا إذا رأيتُ مثل هذه الطاولة على باب البيت، فهي تعني أن صاحب البيت غير موجود، وأن ربة البيت قد أعدَّتْ العجين، وتريد مَنْ يخبزه فإذا مَرَّ أحدنا أخذه فخبزه، ثم أعاد الطاولة إلى مكانها.
وفي قوله تعالى: لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء [القصص: ٢٣] إشارة إلى أن المرأة إذا اضطرتْ للخروج للعمل، وتوفرْت لها هذه الضرورة عليها أنْ تأخذَ الضرورة بقدرها، فلا تختلط بالرجال، وأنْ تعزل نفسها عن مزاحمتهم والاحتكاك بهم، وليس معنى أن الضرورة أخرجتْ المرأة لتقوم بعمل الرجال أنها أصبحتْ مثلهم، فتبيح لنفسها الاختلاط بهم.
وقوله تعالى: ثُمَّ تولى إِلَى الظل فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] فكان موسى عليه السلام طوال رحلته إلى مَدْين مسافراً بلا زاد حتى أجهده الجوع، وأصابه الهزال حتى صار جِلْداً على عظم، وأكل من بقل الأرض، وبعد أن سقى

صفحة رقم 10905

للمرأتين تولَّى إلى ظلِّ شجرة ليستريح، وعندها لَهَج بهذا الدعاء رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤].
كأن الحق سبحانه وتعالى يريد من الضعيف أنْ يتجه إلى المعونة، وحين يتجه إليها فلن يفعل هو، إنما سيفعل الله له؛ لذلك نلحظ أن موسى في ندائه قال رَبِّ [القصص: ٢٤] واختار صفة الربوبية، ولم يقُلْ يا الله؛ لأن الألوهية تقتضي معبوداً، له أوامر ونواهٍ، أمّا الرب فهو المتولِّي للتربية والرعاية، فقال: يا رب أنا عبدك، وقد جئتَ بي إلى هذا الكون، وأنا جائع أريد أن آكل.
ومعنى أَنزَلْتَ [القصص: ٢٤] أن الخير منك في الحقيقة، وإنْ جاءني على يد عبد مثلي؛ ذلك لأنك حين تُسلسل أيَّ خير في الدنيا لا بُدَّ أن ينتهي إلى الله المنعِم الأول، وضربنا لذلك مثلاً برغيف العيش الذي تأكله، بدايته نبتة لولا عناية الله ما نبتتْ.
لذلك يقولون في (الحمد لله) صيغة العموم في العموم، حتى إنْ حمدتَ إنساناً على جميل أسداه إليك، فأنت في الحقيقة تحمد الله حيث ينتهي إليه كُلُّ جميل.
إذن: فحمْد الناس من باطن حمد الله، والحمد بكل صوره وبكل توجهاته، حتى ولو كانت الأسباب عائدة على الله تعالى، حتى يقول بعضهم: لا تحمد الله حتى تحمد الناس.
ذلك لأن أَزِمّة الأمور بيده تعالى، وإنْ جعل الأسباب في أيدينا، وهو سبحانه القادر وحده على تعطيل الأسباب، وأذكر أن بعض

صفحة رقم 10906

الدول (باكستان) أعلنت عن وفرة عندهم في محصول القمح، وأنها ستكفيهم وتفيض عنهم للتصدير، وقبل أنْ ينضج المحصول أصابته جائحة فأهلكته، فاختلفت كل حساباتهم، حتى استوردوا القمح في هذا العام.
هذا معنى رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] فالخير منك يا رب، وإنْ سُقْته إليَّ على يد عبد من عبيدك، وفقري لا يكون إلا إليك، وسؤالي لا يكون إلا لك.
ولم يكَدْ موسى عليه السلام ينتهي من مناجاته لربه حتى جاءه الفرج: فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي

صفحة رقم 10907

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية