فلمَّا انصرف الرعاةُ سَقَى لهما، ثم ولّى إلى ظلِّ جدارٍ بعد ذلك. كان الجوع قد أصابه خلال سَفَرِه، ولم يكن قد تعوَّد، قط الرحلةَ والغُرْبةَ، ولم يكن معه مالٌ، فدعا الله : فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ .
قيل طَلَبَ قوةً تُزِيل جوعَه، وقيل طَلَبَ حالاً يستقِلُّ بها. والأحسن أن يقال جاع فَطَلَبَ كِسْرَة يَسُدُّ بها رَمَقَه - والمعرفة توجِب سؤالَ ما تحتاج إليه من الله قليلاً أو كثيراً. فلمَّا انصرفت ابنتا شعيب خَرَجَ شعيبُ إلى ظاهر الصحراء على طريق الماشية ليمسَّها بيديه فوجَدَ أثرَ الزيادة في تلك الكَرَّة، فسأَلَهما فَذَكَرَتا له القصة، وما سمعتا منه حين قال : رَبِّ إِنِّى لِمَآ َأنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فقال شعيب : إذاً هو جائع. وبَعَثَ إحداهما لتدعوَه : فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخلف نجوت من القوم الظالمين .
لطائف الإشارات
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري