وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأرض أي نجعلهم مقتدرين عليها وعلى أهلها مسلطين على ذلك يتصرّفون به كيف شاؤوا. قرأ الجمهور نمكّن بدون لام، وقرأ الأعمش :" لنمكن " بلام العلة. وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا قرأ الجمهور نرى بنون مضمومة وكسر الراء على أن الفاعل هو الله سبحانه. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف : ويرى بفتح الياء التحتية والراء، والفاعل فرعون. والقراءة الأولى ألصق بالسياق ؛ لأن قبلها نريد ونجعل ونمكّن بالنون. وأجاز الفراء :" ويري فرعون " بضم الياء التحتية، وكسر الراء، أي ويرى الله فرعون، ومعنى مِنْهُمْ من أولئك المستضعفين مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ الموصول هو المفعول الثاني على القراءة الأولى، والمفعول الأوّل على القراءة الثانية، والمعنى : أن الله يريهم، أو يرون هم الذي كانوا يحذرون منه، ويجتهدون في دفعه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد المولود من بني إسرائيل المستضعفين.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب في قوله : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أي ولاة الأمر وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين أي الذين يرثون الأرض بعد فرعون وقومه وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ قال : ما كان القوم حذروه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى أي ألهمناها الذي صنعت بموسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال : قال ابن عباس في قوله : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ قال : أن يسمع جيرانك صوته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً قال : فرغ من ذكر كل شيء من أمر الدنيا إلاّ من ذكر موسى. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً قال : خالياً من كل شيء غير ذكر موسى. وفي قوله : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال : تقول : يا إبناه. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله : وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصّيهِ أي اتبعي أثره فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ قال : عن جانب. وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة ؛ ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة :«أما شعرت أن الله زوّجني مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وامرأة فرعون ؟» قالت : هنيئاً لك يا رسول الله )، وأخرجه ابن عساكر عن ابن أبي روّاد مرفوعاً بأطول من هذا، وفي آخره : أنها قالت : بالرفاء والبنين. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله : وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ قال : لا يؤتى بمرضع فيقبلها.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني