[ الآية ٧٦ ] وقوله تعالى : إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم كأنه كان١، والله أعلم، يخوف أهل مكة، ويوعدهم ببغيهم على الله وعلى رسوله بعذاب ينزل عليهم كما نزل بقارون ببغيه على موسى وقومه إذ لم تنفعه قرابته من موسى ولا صلته به لما ذكر أنه كان ابن عمه، وكان ختنه زوج أخته مريم.
فعلى ذلك يقول، والله أعلم : لا تنفعكم القرابة التي بينكم وبين رسول الله، ولا اتصالكم به من عذاب الله ومقته في الدنيا إذ٢ بغى عليه، وكما [ لم ]٣ تنفع أبوة أبي إبراهيم إذ بغى عليه، وترك اتباعه حين٤ تبرأ إبراهيم منه، وحين٥ قال : يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن الآية [ مريم : ٤٥ ] وحين٦ لم تنفع لا مرأة نوح ولوط الزوجية التي كانت بينهما وبين نوح ولوط من نزول [ عذاب بالله ومقته بهما إذ تركتا اتباعهما، وبغتا عليهما ]٧.
فعلى ذلك يا أهل مكة لا ينفعكم من عذاب الله ومقته قرابتكم لرسول الله، صلوات الله عليه، وصلته بكم، والله أعلم.
وقوله تعالى : فبغى عليهم اختلف أهل التأويل في بغيه عليهم : قال بعضهم : هو أن موسى طلب منه زكاة ما آتاه الله من المال، فمنعه، وأبى أن يعطيه. وقال بعضهم : بغيه عليهم، هو أن أعطى امرأة جعلا لتقذفه بنفسها، فأراد أن يفضحه على رؤوس الأخيار والملإ وأن يرجموه، فدفع الله [ ذلك ]٨ عنه، وبرأه منه.
وقال بعضهم : إنما بغى عليه بكثرة ماله وولده. هذا يشبه أن يكون كأنه بكثرة ماله ودفع عذاب الله ونقمته كقول أهل مكة : نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين [ سبإ : ٣٥ ].
وقال بعضهم : بغى عليه لأن النبوة جعلت في موسى والحبورة في هارون، ولم يجعل لقارون شيء، فاعتزل عن موسى، واتبعه ناس كثير، واعتدوا٩ عليه، ونحو هذا كثير مما قالوه.
والأشبه أن يكون بغيه الذي ذكر عليه كبغي فرعون وهامان عليه حين١٠ قال : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب [ غافر : ٢٣ و٢٤ ] وقال١١ : وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض الآية [ العنكبوت : ٣٩ ] فكان منه ما كان من فرعون وهامان من التكذيب والرد لرسالته وتسميته ساحرا كذابا.
فذلك هو البغي عليه، لأنه ذكر البغي. أو لا يفسر البغي عليه لأنه ذكر البغي، ولم يبين ما ذلك البغي ؟ والله أعلم بذلك.
وقال قائلون : بغيه عليهم هو أن زاد في ثيابهم شبرا. فذلك أيضا لا نعلمه، فهو مثل الأول.
وقوله تعالى : وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصمة أولي القوة قال بعضهم : مفاتحه خزائنه. وقال بعضهم : مفاتحه جمع مفتاح، وهو في الأصل مفاتيح.
وذكر أن كنوزه، كانت كذا كذا ألفا، وأن مفاتحه كان يحملها١٢ كذا وكذا بغلا، وأنها من جلود كذا أو من كذا قدر كذا. فذلك أيضا لا نعلم، ولا نفسره، ولا نذكره، إلا قدر ما ذكر في الكتاب : الكنوز والمفاتح.
وذكر أن العصبة تنوء بها، وذلك لكثرة١٣ ما ذكر. ولكن لا نعلم قدره وعدده ؛ ما هو ؟ ولا : كم هو ؟ وكذلك العصبة أيضا ؛ لا نعلم كم عددها ؟ إلا أن أهل التأويل : يقول بعضهم : من عشرة إلى أربعين، ويقول بعضهم : من عشرة إلى خمسة وسبعين. ويقول بعضهم : من عشرة إلى خمسة عشر، ونحن نفسره، ولا نذكر عدده سوى أنه اسم جماعة، يتعصب بعضهم ببعض١٤، ويعير بعضهم بعضا، يرجعون جميعا إلى أمر واحد.
وكذلك الشيعة : هي جماعة، يتشيع بعضهم ببعض١٥، ويتبع بعضهم بعضا. ولذلك قال إخوة يوسف لأبيهم : لئن أكله الذئب ونحن عصبة [ يوسف : ١٤ ] أي يتعصب بعضنا ببعض١٦، لا ندعه يأكله، ولئن لم نفعل، ولم نحفظه إنا إذا لخاسرون [ يوسف : ١٤ ].
وقوله تعالى : لتنوء بالعصبة اختلف فيه : قال بعضهم : تلك المفاتيح.
وقال القتبي : لتنوء أي تميل بها العصبة إذا حملتها من ثقلها. وقال أبو عوسجة : لتنوء بالعصبة أي لتعجز العصبة عن حملها. وقال بعضهم : تنوء تثقل، والعصبة الجماعة١٧.
قوله تعالى : إذ قال له قومه لا تفرح قال بعضهم : لا تبطر، ولا تأشر، إن الله لا يحب البطرين الأشرين.
وجائز أن يكون قوله : لا تفرح أي لا تفتخر على الناس بما آتاك الله من المال، ولا تتكبر عليهم، ولا تفرح : لا تسكن إليها، ولا تركن إلى ذلك، إن الله لا يحب من ذكر.
٢ - في الأصل وم: إذا..
٣ - ساقطة من الأصل وم..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: حيث.
٦ - في الأصل وم: حيث.
٧ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: العذاب ومقته بهم إذا تركوا أتباعهم وبغوا عليهم..
٨ - ساقطة من الأصل وم..
٩ - في الأصل وم: واعتدى..
١٠ - في الأصل وم: حيث..
١١ - في الأصل وم: وكقوله..
١٢ - في الأصل وم: يحمل..
١٣ - من م، في الأصل: لكثرة..
١٤ - في الأصل وم: بعضا..
١٥ - في الأصل وم: بعضا..
١٦ - في الأصل وم: بعضا..
١٧ - في الأصل وم: جماعة..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم