وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله الدالة على تحريم الدماء والشحناء، وفيكم رسوله الهادي إلى الصراط المستقيم، وهو إنكار وتعجُّبٌ من كفرهم، بعد اجتماع الأسباب الداعية إلى الإيمان، الصارفة عن الكفران، وإنما خاطبهم الله بنفسه بعد ما أمر الرسولَ بأن يخاطب أهل الكتاب ؛ إظهاراً لجلالة قدرهم، وإشعاراً بأنهم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم، دون أهل الكتاب ؛ لبعدهم عن استحقاق مواجهة الخطاب من الكريم الوهاب. ومن يعتصم بالله ويتمسك بدينه فقد هدي إلى صراط مستقيم لا عوج فيه وأصل الاعتصام : التمتع.
ثم خاطب أهل الإحسان فقال : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته بأن تغيبوا عما سواه، ولا تموتن إلا وأنتم منقادون لأحكام الربوبية، قائمون بوظائف العبودية. فهذه الآية خطاب لأهل الإحسان، و فَاْتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : ١٦ ] : خطاب لأهل الإسلام والإيمان، أو هذه لأهل التجريد، والثانية لأهل الأسباب، أو لأهل الباطن، والثانية لأهل الظاهر، فلكل آية أهل ومحل، فلا نسخ ولا تعارض. وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه : من أراد الجمع بين الآيتين فليتق الله حق تقاته بباطنه، وليتق الله ما استطاع بظاهره. هـ. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي