ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

قوله تعالى: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)
العصم والعصب يتقاربان، لكن العصم أبلغ، فإن معه الشدّ إمساكا، والأعصم: الوعل المعتصم بالجبل، والعِصَام على بناء الزمام والسِّخَاب، وجمعه عُصُم، واعتصمت به واعتصمته نحو تعلقت به وتعلقته،

صفحة رقم 753

والعصمة من الله على ثلاثة أضرب: عامة لكل مكلف، وهي ما
يفيض له من العقل، وهدايته بالأمر والنهي والوعد والوعيد.
والثانية: لمن اهتدى بالأولى، وهي التي يرغب كل مؤمن أن
يجعل الله له منها حظًّا. وإياها قصد بقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).
والثالثة: للأنبياء وكيفيتها مختلف فيها.
والاعتصام، والتفويض، والتوكل، والإِسلام - أي الاستسلام -
مترتب بعضها على بعض، فالاعتصام قبل التفويض.
والتفويض قبل التوكل، لأن معنى فوضت أمري إلى فلان، أي
جعلت له الفوض فيه، ومعنى توكلت عليه: اعتزلت، وجعلته
المعتمد، وأما الإِسلام فغايته ما كان من إبراهيم عليه السلام.
حيث قال: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، ولكون الاعتصام
أول منزلة من هذه المنازل.
قال بعض الصوفية: الاعتصام

صفحة رقم 754

للمحجوبين (١)، فأما أهل الحقائق فهم في القبضة (٢)، واستبعد

(١) المحجوبون: عند الصوفية هم من احتجبوا عن قرب الله بسبب من
الأسباب. وعند غلاتهم: المحجوبون هم العامة. انظر: مدارج السالكين
(١ ٢٨٢)، والمعجم الصوفي ص (٧٤).
(٢) لم يبين الراغب رحمه الله قائل ذلك، ويبدو أنه أحد غلاة الصوفية، لأن كلامه مخالف لقوله تعالى في هذه الآية: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، فالله تعالى أثبت له الهداية، وذاك جعله مع المحجوبين.
غير أن مصادر التصوف التي بين يدي ليس فيها شيء من تنقص تلك المنزلة، فهذا ابن عربي يفول: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ) بالانقطاع عما سواه والتمسك بالتوحيد الحقيقي (فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) إذ الصراط المستقيم، هو طريق الحق تعالى، كما قال: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). ثفسير ابن عربي (١/ ١٢٢).
وقال القشيري: إنما يعتصم بالله من وجد العصمة من الله، فأما من لم يهده الله فمتى يعتصم بالله؟ فالهداية منه في البداية توجب اعتصامك في النهاية، لا الاعتصام منك يوجب الهداية. لطائف الإِشارات (١/ ٢٧٧، ٢٧٨).
أما الهروي فقد قسم منزلة الاعتصام إلى ثلاث مراتب:
قال: "وهو على ثلاث درجات: اعتصام العامة بالخبر، استسلاما وإذعانا بتصديق الوعد والوعيد، وتعظيم الأمر والنهي، وتأسيس المعاملة على اليقين والأنصاف.
واعتصام الخاصة: بالانقطاع، وهو صون الإِرادة قبضا، وإسبال الخلُق بسطا، ورفض العلائق عزما، وهو التمسك بالعروة الوثقى.
واعتصام خاصة الخاصة بالاتصال، وهو شهود الحق تفريدا، بعد الاستحذاء له تعظيما والاشتغال به قربا، مدارج السالكين (١ ٤٩٨ - ٥٥١). فكلام الهروي هنا يدل على
تعظيم جميع مراتب الاعتصام لمان كان بعضها أفضل من بعض بخلاف كلام من ذكره الراغب، فإنه غض من شأن تلك المنزلة وجعلها للعوام المحجوبين الذين لم يصلوا إلى مرتبة أهل الحقائق.

صفحة رقم 755

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية