ذلك بوجوه الحيل. نزلت هذه الآية في الذين دعوا عمارا وأصحابه إلى دينهم اليهودية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ هم شاس بن قيس وعمرو بن شاس، وأوس بن قبطي وجبار بن صحر يَرُدُّوكُمْ أي يصيروكم بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠)
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ أي كيف يوجد منكم الكفر والحال أن القرآن الذي فيه بيان الحق من الباطل يتلى عليكم على لسان نبيكم غض طري، ومعكم رسول الله الذي يبين الحق ويدفع الشبه.
روي أن شاس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد، فاتفق أنه مرّ على نفر من الأنصار الأوس والخزرج وهم في مجلس يتحدثون وقد زال ما
كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإسلام، فشق ذلك على اليهود، فجلس إليهم وذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك في بعاث وهو موضع في المدينة، وكان يوم بعاث يوما اقتتل فيها الأوس والخزرج قبل مبعثه صلّى الله عليه وسلّم بمائة وعشرين سنة وكان الظفر فيه للأوس. وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار، فتنازع القوم وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح فاجتمع من القبيلتين خلق عظيم فوصل الخبر إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار وقال: «أترجعون إلى أحوال الجاهلية وأنا بين أظهركم وقد أكرمكم الله بالإسلام وألّف بين قلوبكم». فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان ومن كيد ذلك اليهودي فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم. قال الإمام الواحدي: اصطفوا للقتال. فنزلت الآية إلى قوله تعالى
: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ فجاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتى قام بين الصفين فقرأهن ورفع صوته فلما سمعوا صوت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنصتوا له وجعلوا يستمعون له فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا وجعلوا يبكون وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أي من يستمسك بكتاب الله وهو القرآن فَقَدْ هُدِيَ أي فقد حصل له الهدى إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) أي إلى طريق موصل إلى المطلوب.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في حق معاذ وأصحابه، ثم نزل في أوس وخزرج لخصومة كانت بينهم في الإسلام افتخر فيهم ثعلبة بن غنم وأسعد بن زرارة بالقتل والغارة في الجاهلية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ أي كما يجب أن يتقى وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم كما في قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. ويقال: أطيعوا الله كما ينبغي. وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) لفظ النهي واقع على الموت. والمقصود الأمر بالإقامة على الإسلام أي ودوموا على الإسلام إلى الموت وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت وهم على الإسلام صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في
وسعهم وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ وهو دين الإسلام أو بكتابه وهو القرآن جَمِيعاً أي مجتمعين في الاعتصام
لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، من قال به صدق ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم»
«١». وَلا تَفَرَّقُوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم لأن الحق لا يكون إلا واحدا وما عداه يكون ضلالا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نعمة دنيوية وأخروية إِذْ كُنْتُمْ في الجاهلية أَعْداءً يبغض بعضكم بعضا ويحارب بعضكم بعضا فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ أي قذف الله فيها المحبة بتوفيقكم للإسلام فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أي فصرتم بدينه الإسلام إِخْواناً في الدين وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ أي على طرفها، أي وكنتم قريبين من الوقوع في نار جهنم لكفركم إذ لو أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم فيها. فليس بين الحياة والموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء الذي هو مثل الحياة، وبين ذلك الشيء الذي هو مثل الموت فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها أي فأنجاكم من تلك الحفرة بأن هداكم للإسلام كَذلِكَ أي مثل البيان المذكور يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) أي لكي تهتدوا من الضلالة وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ أي ولتوجد منكم جماعة يقتدي بها فرق الناس يَدْعُونَ الناس إِلَى الْخَيْرِ فأفضل الدعوة هي دعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته وتقديسه عن مشابهة الممكنات وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والآمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجبا فواجب، وإن كان مندوبا فمندوب وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فالنهي عن الحرام واجب كله لأن تركه واجب وهذه الأمور من فروض الكفايات- لأنها لا تليق إلا من العالم بالحال- وسياسة الناس حتى لا يوقع المأمور أو المنهي في زيادة الفجور فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) أي المختصون بكمال الفلاح.
روي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه
«٢». وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا أي تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين، أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسا في بلد، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق، وأن صاحبه على الباطل. قال الفخر الرازي: إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة. فنسأل الله العفو والرحمة
(٢) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (٥٥٦٤)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦: ٢١٠٤).
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي