فأما المقطع الأول فيمثل طرفا من المعركة الجدلية بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة في المدينة، في تلك الفترة التي رجحنا أن السورة تناولت أحداثها في حياة الجماعة المسلمة - من بعد غزوة بدر في رمضان من العام الثاني للهجرة إلى ما بعد غزوة أحد في شوال من العام الثالث.. هذه المعركة التي شغلت ما مر من السورة كله. والتي كانت مجالا لتجلية حقيقة التصور الإيماني وحقيقة " الدين "، وحقيقة " الإسلام "، وحقيقة منهج الله الذي جاء به الإسلام، وجاء به من قبل كل رسول. كما كانت مجالا لكشف حقيقة " أهل الكتاب " الذين يجادلون النبي [ ص ] ومن معه ويحاورونهم ؛ وكشف مدى انحرافهم عن دين الله ؛ وفضح تدبيرهم للجماعة المسلمة في المدينة، والدوافع الكامنة وراء هذا التدبير ؛ ثم تحذير الجماعة المسلمة من هذا كله، بعد تسليط الأنوار عليه، وتجسيم خطره على الجماعة المسلمة لو غفلت عنه، واستجابت لأعدائها فيه.
وأما المقطع الثاني - وهو يشغل مساحة كبيرة من السورة كذلك - فهو نقلة إلى معركة أخرى ليست باللسان والكيد والتدبير فقط ؛ ولكنها كذلك بالسيف والرمح والسنان. نقلة إلى " غزوة أحد " وأحداثها والتعقيبات عليها. في أسلوب هو أسلوب القرآن وحده ! وقد نزلت الآيات بعد المعركة ؛ فكانت مجالا لتجلية نواح متعددة من التصور الإيماني ؛ كما كانت مجالا لتربية الجماعة المسلمة على ضوء المعركة، وعلى ضوء ما كشفته من أخطاء في التصور، واضطراب في التصرف، وخلل في الصف.. وفرصة لتوجيه الجماعة المسلمة إلى المضي في طريقها، واحتمال تبعاتها، والارتفاع إلى مستوى الأمانة الضخمة التي ناطها الله بها، والوفاء بشكر نعمة الله عليها في اصطفائها لهذا الأمر العظيم.
والمقطع الثالث عودة إلى أهل الكتاب، ونكولهم عن مواثيقهم مع النبي [ ص ] تلك المواثيق التي كان قد عقدها معهم أول مقدمه إلى المدينة ؛ والتنديد بانحراف تصوراتهم، وما اجترحوه من الآثام مع أنبيائهم كذلك. ثم تحذير الجماعة المسلمة من متابعتهم، وتثبيت القلوب المؤمنة على ما ينالها من الابتلاء في النفس والمال، وإيذاء أهل الكتاب والمشركين وتهوين شأن أعدائها على كل حال.
والمقطع الأخير يرسم صورة لحال المؤمنين مع ربهم، تمثل دبيب الإيمان في قلوبهم حين يواجهون آيات الله في الكون، ويتجهون إلى ربهم ورب هذا الكون بدعاء خاشع واجف. واستجابة ربهم لهم بالمغفرة وحسن الثواب. مع التهوين من شأن الكفار وما ينالونه من متاع قليل في هذه الأرض، ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد..
وتختم السورة بدعوة من الله للذين آمنوا.. دعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى لعلهم يفلحون..
هذه المقاطع الأربعة المتلاحمة في السياق تكمل ما سبق عرضه من السورة [ في الجزء الثالث ] وتسير مع خطوطها الرئيسية العريضة التي فصلنا الحديث عنها هناك.. وسنتناولها بتفصيل خاص عند مواجهتها في السياق.
أما الشطر الثاني من هذا الجزء - وهو أوائل سورة النساء - فسنتحدث عنه - إن شاء الله - في موضعه. وبالله التوفيق..
في هذا الدرس تبلغ المعركة ذروتها. معركة الجدل والمناظرة مع أهل الكتاب. وهذه الآيات غير داخلة في نطاق مناظرة وفد نجران - كما ذكرت الروايات - ولكنها متساوقة معها، ومكملة لها، والموضوع واحد. وإن كانت آيات هذا الدرس تتمحض للحديث عن اليهود خاصة، وتواجه كيدهم ودسهم للجماعة المسلمة في المدينة. وتنتهي إلى الحسم القاطع، والمفاصلة الكاملة. حيث يتجه السياق بعد جولة قصيرة في هذا الدرس إلى الجماعة المسلمة يخاطبها وحدها ؛ فيبين لها حقيقتها، ومنهجها، وتكاليفها. على نحو ما سار السياق في سورة البقرة بعد استيفاء الحديث عن بني إسرائيل.. وفي هذه الظاهرة تشابه السورتان.
ويبدأ الدرس بتقرير أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - ويبدو أن هذا التقرير كان ردا على اعتراض بني إسرائيل على إباحة القرآن لبعض المحرمات اليهودية من الطعام. مع أن هذه المحرمات إنما حرمت عليهم وحدهم، في صورة عقوبة على بعض مخالفاتهم.
ثم يرد كذلك على اعتراضهم على تحويل القبلة - ذلك الموضوع الذي استغرق مساحة واسعة في سورة البقرة من قبل - فيبين لهم أن الكعبة هي بيت إبراهيم ؛ وهي أول بيت وضع للناس في الأرض للعبادة، فالاعتراض عليه مستنكر ممن يدعون وراثة إبراهيم !
وعقب هذا البيان يندد بأهل الكتاب لكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله ؛ ورفضهم الاستقامة، وميلهم إلى الخطة العوجاء، ورغبتهم في سيطرتها على الحياة، وهم يعرفون الحق ولا يجهلونه.
ومن ثم يدعو أهل الكتاب جملة ؛ ويتجه إلى الجماعة المسلمة، يحذرها طاعة أهل الكتاب.. فإنها الكفر.. ولا يليق بالمسلمين الكفر وكتاب الله يتلى عليهم، وفيهم رسوله يعلمهم. ويدعوهم إلى تقوى الله، والحرص على الإسلام حتى الوفاة ولقاء الله. ويذكرهم نعمة الله عليهم بتأليف قلوبهم، وتوحيد صفوفهم تحت لواء الإسلام، بعد ما كانوا فيه من فرقة وخصام، وهم يومئذ على شفا حفرة من النار أنقذهم منها الله بالإسلام. ويأمرهم بأن يكونوا الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. محافظة على تحقيق منهج الله، مع تحذيرهم الاستماع لدسائس أهل الكتاب فيهم، فيهلكوا بالفرقة كما تفرق هؤلاء فهلكوا في الدنيا والآخرة.. وتذكر الروايات أن هذا التحذير نزل بمناسبة فتنة معينة بين الأوس والخزرج قام بها اليهود.
ثم يعرف الله المسلمين حقيقة مكانهم في هذه الأرض، وحقيقة دورهم في حياة البشر :( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ).. فيدلهم بهذا على أصالة دورهم، وعلى سمة مجتمعهم.. يلي ذلك التهوين من شأن عدوهم فهم لن يضروهم في دينهم، ولن يظهروا عليهم ظهورا تاما مستقرا. إنما هو الأذى في جهادهم وكفاحهم، ثم النصر ما استقاموا على منهجهم. وهؤلاء الأعداء قد ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعصية وقتل الأنبياء بغير حق.. ويستثني من أهل الكتاب طائفة جنحت للحق، فآمنت، واتخذت منهج المسلمين منهجا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الخيرات.. ( وأولئك من الصالحين ).. ويقرر مصير الذين كفروا فلم يجنحوا للإسلام ؛ فهم مأخوذون بكفرهم، لا تنفعهم أموال ينفقونها، ولا تغني عنهم أولاد، وعاقبتهم البوار.
وينتهي الدرس بتحذير الذين آمنوا من اتخاذ بطانة من دونهم، يودون لهم العنت، وتنفث أفواههم البغضاء، وما تخفي صدورهم أكبر، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ، ويفرحون لما ينزل بساحتهم من السوء ؛ ويسوؤهم الخير ينال المؤمنين.. ويعدهم الله بالكلاءة والحفظ من كيد هؤلاء الأعداء ما صبروا واتقوا ( إن الله بما يعملون محيط )..
ويدل هذا التوجيه الطويل، المنوع الإيحاءات، على ما كانت تعانيه الجماعة المسلمة حينذاك من كيد أهل الكتاب ودسهم في الصف المسلم ؛ وما كان يحدثه هذا الدس من بلبلة. كما أنه يشي بحاجة الجماعة إلى التوجيه القوي، كي يتم لها التميز الكامل، والمفاصلة الحاسمة، من كافة العلاقات التي كانت تربطها بالجاهلية وبأصدقاء الجاهلية !
ثم يبقى هذا التوجيه يعمل في أجيال هذه الأمة، ويبقى كل جيل مطالبا بالحذر من أعداء الإسلام التقليديين. وهم هم تختلف وسائلهم، ولكنهم لا يختلفون !
وبعد هذا التحذير من التلقي عن أهل الكتاب وطاعتهم واتباعهم ينادي الله الجماعة المسلمة ويوجهها إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياتها ومنهجها. واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها الله بها، وأخرجها للوجود من أجلها.. هاتان القاعدتان المتلازمتان هما : الإيمان. والأخوة.. الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة. والأخوة في الله، تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة، قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية، وفي التاريخ الإنساني : دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإقامة الحياة على أساس المعروف وتطهيرها من لوثة المنكر :
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم : إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون. ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. فأما الذين اسودت وجوههم : أكفرتم بعد إيمانكم ؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون )..
إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم. فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه :
ركيزة الإيمان والتقوى أولا.. التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل.. التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله :
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته )..
اتقوا الله - كما يحق له أن يتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها. وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق، وجدت له أشواق. وكلما اقترب بتقواه من الله، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى. وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام !
( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )..
والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه. فمن أراد ألا يموت إلا مسلما فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلما، وأن يكون في كل لحظة مسلما. وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع : الاستسلام. الاستسلام لله، طاعة له، واتباعا لمنهجه، واحتكاما إلى كتابه. وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضع منها، على نحو ما أسلفنا.
هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها. إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعا جاهليا. ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة، إنما تكون هناك مناهج جاهلية. ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية، إنما تكون القيادة للجاهلية.
فأما المقطع الأول فيمثل طرفا من المعركة الجدلية بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة في المدينة، في تلك الفترة التي رجحنا أن السورة تناولت أحداثها في حياة الجماعة المسلمة - من بعد غزوة بدر في رمضان من العام الثاني للهجرة إلى ما بعد غزوة أحد في شوال من العام الثالث.. هذه المعركة التي شغلت ما مر من السورة كله. والتي كانت مجالا لتجلية حقيقة التصور الإيماني وحقيقة " الدين "، وحقيقة " الإسلام "، وحقيقة منهج الله الذي جاء به الإسلام، وجاء به من قبل كل رسول. كما كانت مجالا لكشف حقيقة " أهل الكتاب " الذين يجادلون النبي [ ص ] ومن معه ويحاورونهم ؛ وكشف مدى انحرافهم عن دين الله ؛ وفضح تدبيرهم للجماعة المسلمة في المدينة، والدوافع الكامنة وراء هذا التدبير ؛ ثم تحذير الجماعة المسلمة من هذا كله، بعد تسليط الأنوار عليه، وتجسيم خطره على الجماعة المسلمة لو غفلت عنه، واستجابت لأعدائها فيه.
وأما المقطع الثاني - وهو يشغل مساحة كبيرة من السورة كذلك - فهو نقلة إلى معركة أخرى ليست باللسان والكيد والتدبير فقط ؛ ولكنها كذلك بالسيف والرمح والسنان. نقلة إلى " غزوة أحد " وأحداثها والتعقيبات عليها. في أسلوب هو أسلوب القرآن وحده ! وقد نزلت الآيات بعد المعركة ؛ فكانت مجالا لتجلية نواح متعددة من التصور الإيماني ؛ كما كانت مجالا لتربية الجماعة المسلمة على ضوء المعركة، وعلى ضوء ما كشفته من أخطاء في التصور، واضطراب في التصرف، وخلل في الصف.. وفرصة لتوجيه الجماعة المسلمة إلى المضي في طريقها، واحتمال تبعاتها، والارتفاع إلى مستوى الأمانة الضخمة التي ناطها الله بها، والوفاء بشكر نعمة الله عليها في اصطفائها لهذا الأمر العظيم.
والمقطع الثالث عودة إلى أهل الكتاب، ونكولهم عن مواثيقهم مع النبي [ ص ] تلك المواثيق التي كان قد عقدها معهم أول مقدمه إلى المدينة ؛ والتنديد بانحراف تصوراتهم، وما اجترحوه من الآثام مع أنبيائهم كذلك. ثم تحذير الجماعة المسلمة من متابعتهم، وتثبيت القلوب المؤمنة على ما ينالها من الابتلاء في النفس والمال، وإيذاء أهل الكتاب والمشركين وتهوين شأن أعدائها على كل حال.
والمقطع الأخير يرسم صورة لحال المؤمنين مع ربهم، تمثل دبيب الإيمان في قلوبهم حين يواجهون آيات الله في الكون، ويتجهون إلى ربهم ورب هذا الكون بدعاء خاشع واجف. واستجابة ربهم لهم بالمغفرة وحسن الثواب. مع التهوين من شأن الكفار وما ينالونه من متاع قليل في هذه الأرض، ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد..
وتختم السورة بدعوة من الله للذين آمنوا.. دعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى لعلهم يفلحون..
هذه المقاطع الأربعة المتلاحمة في السياق تكمل ما سبق عرضه من السورة [ في الجزء الثالث ] وتسير مع خطوطها الرئيسية العريضة التي فصلنا الحديث عنها هناك.. وسنتناولها بتفصيل خاص عند مواجهتها في السياق.
أما الشطر الثاني من هذا الجزء - وهو أوائل سورة النساء - فسنتحدث عنه - إن شاء الله - في موضعه. وبالله التوفيق..
في هذا الدرس تبلغ المعركة ذروتها. معركة الجدل والمناظرة مع أهل الكتاب. وهذه الآيات غير داخلة في نطاق مناظرة وفد نجران - كما ذكرت الروايات - ولكنها متساوقة معها، ومكملة لها، والموضوع واحد. وإن كانت آيات هذا الدرس تتمحض للحديث عن اليهود خاصة، وتواجه كيدهم ودسهم للجماعة المسلمة في المدينة. وتنتهي إلى الحسم القاطع، والمفاصلة الكاملة. حيث يتجه السياق بعد جولة قصيرة في هذا الدرس إلى الجماعة المسلمة يخاطبها وحدها ؛ فيبين لها حقيقتها، ومنهجها، وتكاليفها. على نحو ما سار السياق في سورة البقرة بعد استيفاء الحديث عن بني إسرائيل.. وفي هذه الظاهرة تشابه السورتان.
ويبدأ الدرس بتقرير أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - ويبدو أن هذا التقرير كان ردا على اعتراض بني إسرائيل على إباحة القرآن لبعض المحرمات اليهودية من الطعام. مع أن هذه المحرمات إنما حرمت عليهم وحدهم، في صورة عقوبة على بعض مخالفاتهم.
ثم يرد كذلك على اعتراضهم على تحويل القبلة - ذلك الموضوع الذي استغرق مساحة واسعة في سورة البقرة من قبل - فيبين لهم أن الكعبة هي بيت إبراهيم ؛ وهي أول بيت وضع للناس في الأرض للعبادة، فالاعتراض عليه مستنكر ممن يدعون وراثة إبراهيم !
وعقب هذا البيان يندد بأهل الكتاب لكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله ؛ ورفضهم الاستقامة، وميلهم إلى الخطة العوجاء، ورغبتهم في سيطرتها على الحياة، وهم يعرفون الحق ولا يجهلونه.
ومن ثم يدعو أهل الكتاب جملة ؛ ويتجه إلى الجماعة المسلمة، يحذرها طاعة أهل الكتاب.. فإنها الكفر.. ولا يليق بالمسلمين الكفر وكتاب الله يتلى عليهم، وفيهم رسوله يعلمهم. ويدعوهم إلى تقوى الله، والحرص على الإسلام حتى الوفاة ولقاء الله. ويذكرهم نعمة الله عليهم بتأليف قلوبهم، وتوحيد صفوفهم تحت لواء الإسلام، بعد ما كانوا فيه من فرقة وخصام، وهم يومئذ على شفا حفرة من النار أنقذهم منها الله بالإسلام. ويأمرهم بأن يكونوا الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. محافظة على تحقيق منهج الله، مع تحذيرهم الاستماع لدسائس أهل الكتاب فيهم، فيهلكوا بالفرقة كما تفرق هؤلاء فهلكوا في الدنيا والآخرة.. وتذكر الروايات أن هذا التحذير نزل بمناسبة فتنة معينة بين الأوس والخزرج قام بها اليهود.
ثم يعرف الله المسلمين حقيقة مكانهم في هذه الأرض، وحقيقة دورهم في حياة البشر :( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ).. فيدلهم بهذا على أصالة دورهم، وعلى سمة مجتمعهم.. يلي ذلك التهوين من شأن عدوهم فهم لن يضروهم في دينهم، ولن يظهروا عليهم ظهورا تاما مستقرا. إنما هو الأذى في جهادهم وكفاحهم، ثم النصر ما استقاموا على منهجهم. وهؤلاء الأعداء قد ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعصية وقتل الأنبياء بغير حق.. ويستثني من أهل الكتاب طائفة جنحت للحق، فآمنت، واتخذت منهج المسلمين منهجا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الخيرات.. ( وأولئك من الصالحين ).. ويقرر مصير الذين كفروا فلم يجنحوا للإسلام ؛ فهم مأخوذون بكفرهم، لا تنفعهم أموال ينفقونها، ولا تغني عنهم أولاد، وعاقبتهم البوار.
وينتهي الدرس بتحذير الذين آمنوا من اتخاذ بطانة من دونهم، يودون لهم العنت، وتنفث أفواههم البغضاء، وما تخفي صدورهم أكبر، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ، ويفرحون لما ينزل بساحتهم من السوء ؛ ويسوؤهم الخير ينال المؤمنين.. ويعدهم الله بالكلاءة والحفظ من كيد هؤلاء الأعداء ما صبروا واتقوا ( إن الله بما يعملون محيط )..
ويدل هذا التوجيه الطويل، المنوع الإيحاءات، على ما كانت تعانيه الجماعة المسلمة حينذاك من كيد أهل الكتاب ودسهم في الصف المسلم ؛ وما كان يحدثه هذا الدس من بلبلة. كما أنه يشي بحاجة الجماعة إلى التوجيه القوي، كي يتم لها التميز الكامل، والمفاصلة الحاسمة، من كافة العلاقات التي كانت تربطها بالجاهلية وبأصدقاء الجاهلية !
ثم يبقى هذا التوجيه يعمل في أجيال هذه الأمة، ويبقى كل جيل مطالبا بالحذر من أعداء الإسلام التقليديين. وهم هم تختلف وسائلهم، ولكنهم لا يختلفون !
وبعد هذا التحذير من التلقي عن أهل الكتاب وطاعتهم واتباعهم ينادي الله الجماعة المسلمة ويوجهها إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياتها ومنهجها. واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها الله بها، وأخرجها للوجود من أجلها.. هاتان القاعدتان المتلازمتان هما : الإيمان. والأخوة.. الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة. والأخوة في الله، تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة، قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية، وفي التاريخ الإنساني : دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإقامة الحياة على أساس المعروف وتطهيرها من لوثة المنكر :
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم : إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون. ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. فأما الذين اسودت وجوههم : أكفرتم بعد إيمانكم ؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون )..
إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم. فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه :
ركيزة الإيمان والتقوى أولا.. التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل.. التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله :
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته )..
اتقوا الله - كما يحق له أن يتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها. وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق، وجدت له أشواق. وكلما اقترب بتقواه من الله، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى. وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام !
( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )..
والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه. فمن أراد ألا يموت إلا مسلما فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلما، وأن يكون في كل لحظة مسلما. وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع : الاستسلام. الاستسلام لله، طاعة له، واتباعا لمنهجه، واحتكاما إلى كتابه. وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضع منها، على نحو ما أسلفنا.
هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها. إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعا جاهليا. ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة، إنما تكون هناك مناهج جاهلية. ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية، إنما تكون القيادة للجاهلية.