الله تحولهم مع ظهوو الآيات التي هي المعجزات العقلية، وكون الرسول
الشاهد فيما بينهم الذي يظهر من العجزات المحسوسة.
وقيل: معنى قوله: (وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) أي دلائله لا ذاته، فعلى هذا خطاب لمن في زمانه، ولمن بعده.
وقوله: (فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي الطريق المسئول
أن يهدينا إليه في قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
والمدعو إليه بقوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ).
والمأمور به في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)
التقوى: أن تجعل بينك وبين المعاصي ما يصير واقياً
لك عن تعاطيها، فتصير واقيا لك في الآخرة عن العذاب.
وقال بعض الناس: التقوى من ثلاثة أوجه: تقوى من غرور
الدنيا، والتقوى من النفس، والتقوى من الله.
وكل واحد منها على ثلاث منازل:
أما التقوى من الدنيا فأن تتقي محرماتها، ثم شبهاتها.
ثم الزهد في مباحاتها.
وأما التقوى من النفس فأن تتقي أولاً عقوبته.
ثم استدراجه نحو: أن يملي للعبد ويوسع عليه فيغتر به.
ثم حجابَه، نحو: أن يسأله العبد
فتتباطأ إجابته فيعيرّ ذلك قلبه، فمن استكمل هذه المنازل فقد اتقى الله حق.
تقاته، وحرر ذلك بعض الصوفية على وجه آخر.
وقال: التقوى على ثلاث منازل: تقوى العقوبة بالصبر عن المعاصي.
وإياه قصد بقوله: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).
وتقواه بشكر آلائه، وإياه قصد بقوله: (اتَّقُوا رَبَّكُمُ) خص لفظ الرب المنبئ عن تربيته إياه ونعمته عليه، وتقواه برؤية وحدانيته من غير تلفّت ثواب أو عقاب، وإياه قصد بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) قال: ولهذا حيث ما ذكر (اتَّقُوا اللَّهَ) خص المؤمنين بالمخاطبة، وحيثما ذكر (اتَّقُوا رَبَّكُمُ) خص الناس الذي هو أعم اللفظتين.
وتقسيم التقوى على ئلاث منازل هو على حسب الظالم
والمقتصد والسابق، وقوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ) حثٌّ أن يبلغ
الإِنسان في ذلك مبلغ السابقين، قال عبد الله والحسن وقتادة: هو
أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.
وقال قتادة والربيع: الآية منسوخة بقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)
وقال غيرهما: بل معناهما واحد، فإن حق التقوى
هو التقوى على حسب الاستطاعة، واستدل بما روى
معاذ قال: أردفني رسول الله - ﷺ -، وقال: "هل تدري حق الله على العباد؟
" قلت: الله أعلم ورسوله، فقال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً".
ثم قرأ: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)،
ومن قال: هذا منسوخ تصور من قوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ) غاية الجهد من
العبد، وإن (مَا اسْتَطَعْتُمْ) هو قدر العفو، فصار مقتضى ما استطعتم
أخف من مقتضى حق تقاته، واستقبح أبو علي الجبّائي قول من
قال: الآية منسوخة، وقال: هذا جهل، لأنه لا يجوز أن يبيح الله
للناس أن يفعلوا بعض المعاصي وهذا تصور له وقع من قلة التثبت.
فقد عُلِمَ أن فعل ما حظر الله في الشرع معصية ما دام الحظر قائماً.
كتحريم الأكل والجماع بعد النوم في الصوم، ثم لما زال الحظر زال
كونه معصية. فكذا تقوى الله بغاية ما بلغه الجهد لا يُمنَع أن
تُوجَبَ في وقت، فيكون تركها معصية، ثم يقتصر من الناس علي
مقدار الوسع، فلا يكون ترك الجهد معصية.
وقوله: (وَلَا تَمُوتُنَّ) حث على الاستسلام قبل الموت.
وإن كان لفظه نهياً عن الموت كقولهم: لا أرينك هاهنا.
إن قيل: هل بين قولك: لا تموتن إلا مسلما، وقولك: إلا وأنت مسلم فرق؟
قيل: قولك مسلماً يقتضي ظاهره أن يكون الإِسلام مقترنا به الموت، لا متقدمًا
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار