ثم ندبهم للاعتبار بما وقع من النصر للمسلمين يوم بدر فقال لهم : قد كان لكم يا معشر اليهود، آية أي : عبرة ظاهرة، ودلالة على صدق ما أقول لكم : إنكم ستغلبون، في فئتين أي : جماعتين التقتا يوم بدر، وهم المسلمون، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر، والمشركون كانوا زهاء ألف، فئة تقاتل في سبيل الله وهم المؤمنون، وأخرى كافرة ، وهم المشركون، ترونهم مثليهم أي : ترون، يا معشر اليهود، الكفارَ مثلي عدد المسلمين رأي تحقيق، ومع ذلك أيدهم الله بالنصر والمدد حتى نصرهم على عدوهم، وكذلك يفعل بهم معكم.
والرؤية، على هذا، علمية. ومن قرأ ( بالياء ) يكون الضمير راجعاً للكفار، أي : يرى الكفارُ المسلمين مثليهم، وذلك بعد أن قللهم الله في أعينهم حتى اجترأوا عليهم، وتوجهوا إليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، مدداً من الله للمؤمنين.
أو : يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين، وكانوا ثلاثة أمثالهم، ليثبتوا لهم، ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله بقوله : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ. . . [ الأنفَال : ٦٥ ] الآية. والله يؤيد أي : يقوي بنصره من يشاء نصره، كما أيد أهل بدر، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار المفتوحة. وذلك حين نصر الله قوماً لا عدد لهم ولا عدة، على قوم لهم عدد وعدة، فلم تغن عنهم من الله شيئاً.
الإشارة : إذا توجه القلب إلى مولاه تعرض له جندان، أحدهما : جند الأنوار، وهو جند القلب، والثاني : جند الأغيار، وهو جند النفس، فيلتحم بينهما القتال، فجند الأنوار يريد أن يرتقي بالروح إلى وطنها ؛ وهو حضرة الأسرار، وجند الأغيار يريد أن يهبط بالنفس إلى أرض الحظوظ والشهوات، فيحبسها في سجن الأكوان، فإذا أراد الله تعالى سعادة عبد، قوي له جند الأنوار، وضَعَّفَ عنه جند الأغيار، فينهزم عنه جند الأغيار، ويستولي على قلبه جند الأنوار، فلا تزال أنوار تتوارد عليه حتى تشرق عليه أنوار المواجهة، فيدخل حضرة الأسرار، وهي حضرة الشهود، ويتحصن في جوار الملك الودود، وتناديه ألسنة الهواتف : أيها العارف، قل للذين كفروا، وهم جند الأغيار : ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. وإذا أراد الله خذلان عبده، بعدله، قطع عنه مدد الأنوار، وقوي لديه جند الأغيار، فتستولي ظلمة النفس على نور القلب، فتحبسه في سجن الأكوان، وتسجنه في ظلمة هيكل الإنسان، والله يؤيد بنصره من يشاء . ففي التقاء جندي الأنوار والأغيار عبرة لأولي الأبصار.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي