عطاء (١): بئس ما مُهِّدَ لكم، وبئس ما مَهَّدتم لأنفسكم.
وقال أصحاب المعاني: ليس (٢) هناك تمهيد، ولكن المعنى: إنها بدلُ المهاد؛ كما أن البشارة بالعذاب بدل البشارة بالنعيم في قوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣).
١٣ - قوله تعالى: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ قال الفراء (٤): أراد بالآية البيان (٥)؛ فلذلك ذَكَّرَ الفِعْلَ كأن ذهب إلى المعنى، وترك اللفظ كقول الشاعر:
كَخُرْعُوبَةِ البانَةِ المنفطرْ (٦)
(٢) في (ج): (وليس).
(٣) سورة آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، والانشقاق: ٢٤. وأصل المَهْد لغة: التوثير، ويقال: (مَهَدْت لنفسي مهدًا) و (مَهَّدت لنفسي) أي: جعلت لها مكانا وطيئًا سهلًا، و (مَهَد لمسه خيرًا)، و (امْتَهده): هيأه وتوطأه. والمِهاد: الفراش، سمي بذلك لوثارته، و (مهدت الفراش مهدًا): بسطته ووطأته، والجمع: (أمهِدة) و (مُهُد)، و (مهْد الصبي): موضعه الذي يُهَيَّأ له لينام فيه، وجمعه: مُهود. انظر: (مهد) في: "الجمهرة" لابن دريد ص ٦٨٥، "اللسان" ٧/ ٤٢٨٦.
(٤) لم أهتد إلى مصدر قوله. ومن قوله: (أراد بالآية..) إلى (.. في الدنيا لمغرور): ورد في "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٣أ، مع اختلاف في بعض عباراته.
(٥) أي قد كان لكم بيان.
(٦) عجز بيت، وصدره كما في "الديوان":
بَرَهْرَهَةٌ رُؤدَةٌ رَخصَةٌ
وهو لامرئ القيس، في: "ديوانه": ص ٦٩، كما ورد منسوبًا له في "تهذيب =
[ولم يقل المنفطرة] (١) لأنه ذهب إلى القضيب.
ويجوز أن يكون التذكير للفصل [الواقع] (٢) بينهما بحرف الصفة؛ كقول الشاعر:
| إنَّ (٣) امرءَّاَ غرَّه مِنْكُنَّ واحدةٌ (٤) | بعدي وبعدك في الدنيا لَمَغْرُورُ (٥) |
(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د). وهي في "تفسير الثعلبي" كذلك ٣/ ١٣أ.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) و (د).
(٣) (إن): ساقطة من: (ج).
(٤) في (أ): (واحدةً) وبقية النسخ غير مضبوطة بالشكل، والصواب ما أثبت.
(٥) لم أهتد إلى قائله. وهو في "معاني القرآن" للفراء: ٢/ ٣٠٨، "الخصائص" لابن جني ٢/ ٤١٤، "واللمع" له ص ٨١، "الأمالي الشجرية" لابن الشجري ٢/ ٤١٣، "الإنصاف" لأبي البركات الأنباري ص ١٥٢، "شرح المفصل" ٥/ ٩٣، "اللسان" ٦/ ٣٢٣٢ (غرر)، "شرح شذور الذهب" ص ٢٣٣، "وتخليص الشواهد" لابن =
والخطاب في هذه الآية للمعنيِّينَ بقوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وأراد بالآية عَلاَمَةً تدل على صدق النبي - ﷺ -.
وقوله تعالى: فِي فِئَتَيْنِ أراد بالفئتين: رسول الله - ﷺ - وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، في قول جميع المفسرين.
وقوله تعالى: فِئَةٌ تُقَاتِلُ الرفع (١)، وجْه الكلام، لأن المعنى: إحداهما تقاتل في سبيل الله، فهو رفع على استئناف من الكلام كما أنشدهُ (٢) الفرَّاء:
إذا مُتُّ كانَ الناسُ صِنْفَيْنِ (٣): شامتٌ... وآخرُ مُثْنٍ بالذي كنت أفعل (٤)
(١) من قوله: (الرفع..) إلى (.. والنصب جائز): نقله عن "معاني القرآن" للفراء: ١/ ١٩٢، ١٩٣ بتصرف.
(٢) في (د): (أنشد).
(٣) في (ج): (صنفان). وفي "معاني القرآن" نصفين.
(٤) البيت للعُجَيْر بن عبد الله السَّلُولي. وقد ورد منسوبًا له في "كتاب سيبويه" ١/ ٧٠، "والنوادر" لأبي زيد ١٥٦، "والأزهية في علم الحروف" للهروي ١٩٩، "الإفصاح" للفارقي ٢٨١، "والبسيط في شرح جمل الزجّاجي" لابن أبي الربيع السبتي ٢/ ٧٦٠، "المقاصد النحوية" للعيني ٢/ ٨٥، "خزانة الأدب" ٩/ ٧٢، "الدرر اللوامع" ١/ ٤٦. وورد غير منسوب في "إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ١٠، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص ٤٠، "أسرار العربية" لأبي البركات الأنباري=
ابتدأ الكلام بعد الصنفين، ولو كُسِرت على البدل من (١) فِئَتَيْنِ جاز؛ كما قال كُثَيِّر (٢):
وكنت كذي رِجلين: رجلٍ صحيحة... ورِجْلٍ رَمى فيها الزمانُ فَشَلَّت (٣)
وقد انتهت قافية البيت في أكثر المصادر بكلمة (أصنعُ) بدلا من (أفعلُ) وقد جاءت رواياته مختلفة في بعض كلماتها، فورد (نصفين) و (نصفان) و (وصنفان) بدلًا من (صنفين) وورد (.. ومثنٍ بنِيرَيْ بعض)، و (النِيران): العَلَمان في الثوب. انظر: "الخزانة" ٩/ ٧٣.
والشاهد فيه، قوله وفق رواية المؤلف: (شامتُ وآخر) بالرفع؛ ناويًا ابتداء الكلام بعد (صنفين)؛ ليفَسِّر؛ وأراد: بعضٌ شامتٌ، وآخر مثنٍ. وعلى الرواية الثانية: (.. كان الناس صنفان: شامت..)، الشاهد فيه: (صنفان: شامت..) وأراد: كان الشأن والأمر: الناس صنفان.
(١) (من): ساقطة من: (د).
(٢) هو: أبو صخر، كُثَيِّر بن عبد الرحمن بن أبي جمعة. من خزاعة، كان رافضيًّا مُغاليًا، عَدَّه ابنُ سلام من الطبقة الثانية من الشعراء الإسلاميين. عاش في العصر الأموي. انظر: "طبقات فحول الشعراء" ٢/ ٥٣٤، "الشعر والشعراء" ص ٣٣٤، "وفيات الأعيان" ١/ ٥٤٧.
(٣) البيت في: (ديوانه): ٩٩، كما ورد منسوبًا له في كتاب "الجمل في النحو" للخليل ص٢٠٧، "كتاب سيبويه" ١/ ٤٣٣، "مجاز القرآن" ١/ ٨٧، "الأمالي" للقالي ٢/ ١٠٨، "أمالي المرتضى" للشريف المرتضى ١/ ٤٦، "العمدة" لابن رشيق ٢/ ١٠٤٨، "والإيضاح" للفارقي ٢٣٢، ٢٨٢، و"نتاج الفكر" للسهيلي ٣١٥، "المقاصد النحوية" ٤/ ٢٠٤، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" ١/ ٣٩٨، "شرح شواهد المغني" للسيوطي ٢/ ٨١٤،.. كما ورد غير منسوب في "المقتضب" ٤/ ٢٩٠، "المحلى" (وجوه النصب)، لأبي بكر بن شقير ١٦٣ و"إيضاح الوقف =
[يُنشَدُ البيتُ على وجهين (١).
ومما فُسِّر به الأول، فتبعه في الإعراب، ما أنشده] (٢) الفرَّاء:
| حتى إذا ما استقلَّ النجمُ (٣) في غَلَسٍ | وغُودر البقْلُ (٤) مَلْويٌّ ومحصودُ (٥) |
ومعنى البيت: أنه لما لم تثبت معشوقته عَزَّة على العهد، وثبت هو على عهدها؛ صار كذي رِجلين: رجلٍ صحيحة، ويعني بها: ثباته على عهدها، ورِجل مريضة، ويعني بها: خيانتها للعهد. ومعنى (شَلَّت): أصابها الشلل، وأصل الفعل: (شَلِلَت، تَشَلُّ، شَلَلًا)، ويقال: (شَلت يدُه)، و (أشلها الله). انظر: "الخزانة" ٥/ ٢١٢. والشاهد فيه قوله: (رِجْلٍ..) كُسرت على البدل من (رِجلين) وهو ما يسمى: بدل المفضَّل من المُجْمل، ويجوز الخفض على النعت.
(١) أي: في (رِجْل) الوجه الأول: الخفض، كما سبق بيانه. والوجه الثاني: الرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، وتقديره: هما: رِجلٌ صحيحةٌ، ورجلٌ أخرى... ، أو: إحداهما رِجلٌ.. انظر: "الخزانة" ٥/ ٢١١.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(٣) في (ج): (استقل النجمَ).
(٤) في (ج): (النفل).
(٥) البيت لذي الرمة، وهو في: "ديوانه": ١٣٦٦، "والسمط" ١/ ٣٥٤. وأورده الفرَّاء في "معاني القرآن" ٢/ ٤١٠ برواية أخرى:
حتى إذا ما أضاء الصبح في غَلَسٍ
وكذا نقله عن الفرَّاء بهذه الرواية النحاسُ في "إعراب القرآن" ٢/ ٨٠١ وروايته في "الديوان" (.. وأحْصَدَ البقلُ أوْ مُلوٍ ومحصودُ). ومعنى (استقل): ارتفع، و (النجم) أراد به هنا الثريا. و (الغَلَس): ظلمة آخر الليل. وقوله (ملويٌّ)؛ يقال: (ألوَى النبتُ إلواءً): إذا جف. وقوله في رواية الديوان: (وأحْصَدَ البقلُ): أي: حان أن يحصد. انظر: "ديوانه" بشرح الباهلي: ١٣٦٧، "القاموس" ١٠٤٩ (قلل)، ٥٦١ (غلس).
ففسر، فقال: بعض البقل كذا، وبعضه كذا، والنَّصْب جائز (١).
وقوله تعالى: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ الرؤية (٢) ههنا متعدية إلى مفعول واحد، يدلك على ذلك تقييده بـ رَأْيَ الْعَيْنِ. وإذا كان كذلك كان انتصاب مِثْلَيْهِمْ على الحال (٣)، لا على أنه مفعول ثانٍ كما تقول: (رأيت زيدًا راكبًا).
وقوله (مثليهم): المِثْل: يجوز إفراده في موضع التثنية والجمع؛ كقول الشاعر:
وساقِيَيْنِ مثلِ زيدٍ وجُعَلْ (٤)
(٢) من قوله: (الرؤية..) إلى نهاية قول الله تعالى: (ثم لا يكونوا أمثالكم) نقله عن "الحجة" للفارسي ٣/ ٩ - ٢٠ بتصرف.
(٣) انظر: "المشكل" لمكي ١/ ١٥٠، "البيان" للأنباري ١/ ١٩٣.
(٤) صدر بيت من الرجز، وتمامه:
سَقْبانِ ممشوقان مكنوزا العَضَلْ
ولم أقف على قائله، وقد ورد غير منسوب في "كتاب سيبويه" ٢/ ١٧، والفرق بين الحروف الخمسة، لابن السيد البطليُوسي ص ٣٧٠، "اللسان" ٤/ ٢٠٣٦ (سقب) ٧/ ٣٩٣٧ (كنز)، "التاج" ٢/ ٧٨ (سقب). وروي بلفظ: (.. صَقْبان) بدلًا من (سقبان). و (السَّقْب): ولد الناقة الذكر ساعة يُولد، وقد سبق بيانه. و (الصَّقْب، والصَّقَب): يُطلق على الطويل الممتلئ من كل شيء، ومنه الغصن الريَّان الغليظ الطويل، و (صَقْب الناقة): ولدها، وعمود يُعمد به البيت، و (رجل صقْب): ممتلئ الجسم ناعمه. انظر: "كتاب العين" ٥/ ٦٨، "الفرق بين الحروف الخمسة" ص٢٧٠، "اللسان" ٤/ ٢٤٦٩ (صقب)، و (الممشوق): الذي فيه طول مع خفة لحم. و (مكنوزًا العضل): مجتمعًا، وممتلئًا العَضَل باللحم. انظر: "اللسان" ٧/ ٤٢١١ (مشق)، ٧/ ٣٩٣٧ (كنز).
وقال الله تعالى: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ (١) [النساء: ١٤٠] ولم يقل: أمثالهم. وقد جمع في قوله ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: ٣٨].
وقوله تعالى: رَأْيَ الْعَيْنِ. يقال: (رَأَيْتُه (٢) رَأيًا)، و (رُؤْية)، و (رأيته في المنام رُؤيا حَسَنَةً) غَيْر مُجْراةٍ (٣). فالرؤيا تختص بالمنام، وهو مصدرٌ لـ (رأيت) (٤)، ويقول: (هو منى رأْيَ العَيْنِ) أي: حيث يقع عليه بصري. فقوله: رَأْيَ الْعَيْنِ يجوز (٥) أن يَنْتَصِبَ عدى المصدر (٦)، ويجوز أن يكون ظرفًا للمكان (٧)، كما تقول: (تروْنهم أَمامَكم). ومثله: (هو مِنِّى مَزْجَرَ الكَلْبِ) (٨)،
(١) فأفرِدَت (مثل) في الآية، وهي في موضع الجمع.
(٢) من قوله: (رأيته..) إلى (.. مجراة): نقله عن "تفسير الطبري" ٣/ ١٩٨ مع التصرف.
(٣) في (ج): (محزاة)، (د): (مجزاة). ومعنى: (غير مُحجْراة): أي أن كلمة (رُؤْيا)، غير مصروفة، والإجراء: المنع من الصرف. وهو من اصطلاحات الكوفيين. يقولون: (ما يجرى وما لا يجرى)، و (الجاري وغير الجاري). قال ابن حجر: (وهذا اصطلاح قديم، يقولون للاسم المصروف: مُجْرى). "فتح الباري" ٨/ ٦٨٤. وقد وردت هذه اللفظة كثيرًا عند الفرَّاء. انظر: "معاني القرآن" ٣/ ١٥٠، ٢١٤، ٢١٨، "والحروف" لأبي الحسين المزني ٥٩، "النحو وكتب التفسير" ١/ ١٨٦، "دراسة في النحو الكوفي" ص ٢٣٣.
(٤) في (د): (مصدرًا رأيت).
(٥) في (ج): (ويجوز).
(٦) والنصب هنا على المصدر: إمَّا المصدر التوكيدي، أو المصدر التشبيهي أي: رأيا مثلَ رأي العين أي: يشبه رأي العين.
(٧) أي: يجوز نصبه لكونه ظرف مكانٍ.
(٨) انظر هذا المَثَل في "كتاب سيبويه" ١/ ٤١٣، ٤١٦، "الأصول" لابن السراج ١/ ١٩٩، "المسائل الحلبيات" للفارسي ٥٩، "اللسان" ٣/ ١٨١٣ (زجر).
والمَزْجَر: اسمٌ لمكان الزَجْر. والزَّجْر: المنع والنهي والانتهار. ومعنى هذا المثل: أنه مني في القرب بتلك المنزلة.
انظر: (زجر) في "اللسان" ٣/ ١٨١٣، "المعجم الوسيط" ١/ ٣٩٠.
و (مَنَاطَ العَيُّوقِ) (١).
وفي قوله: يَرَوْنَهُمْ قراءتان: التَّاءُ (٢)، والياء (٣). فمن قرأ بالتَّاء؛ فلأن ما قبله خطاب لليهود؛ والمعنى: تَرَوْن أيها اليهود المسلمينَ مِثْلي ما كانوا، أي: مِثْلي الفئة الكافرة؛ وذلك أن الله تعالى كَثَّر المسلمين في أعينهم يوم بَدْر. فذلك الآية، والأُعجوبة، وهو أنهم رَأَوا القليلَ كثيرًا. ويجوز أن تكون الكناية عن الفئة الكافرة، وهم المشركون، والمعنى: تَرَوْنَ المشركين ضِعفي المؤمنين.
وقد ورد المَثَل في "مجمع الأمثال" للميداني ١/ ٢٠١، "المستقصى في الأمثال" للزمخشري ١/ ٢٤، "الدرة الفاخرة" لحمزة الأصفهاني ١/ ٧٥، ٧٦. وورد بلفظ: (أبعد من العيوق) في "جمهرة الأمثال" للعسكري ١/ ٢٠٤، ٢٣٨. وورد: (وهو مني مناط الثريا) في "الأصول" لابن السراج ١/ ١٩٩. ولم يرتض السمينُ الحلبي رأيَ الواحدي بالنصب على الظرفية، فقال بعد أن نقل قول الواحدي السابق: (وهذا إخراجٌ للفظ عن موضوعه مع عدم المساعد معنًى وصناعةً). انظر: "الدر المصون" ٣/ ٥٥.
(٢) قوله: (التاء والياء، فمن قرأ بالتاء) ساقط من: (ج).
(٣) قرأ نافع بالتاء، وقرأ باقي القرَّاء السبعة بالياء. انظر: "السبعة" ص ٢٠١ - ٢٠٢، "الحجة" للفارسي ٣/ ١٧.
ونذكر بعد هذا كيف رأَوْهم مِثْلَيهم، وهم كانوا ثلاثةَ أمثالهم؟! (١).
ومن قرأ بالياء؛ فَلِلْمُغايَبَةِ (٢) التي جاءت بعد الخطاب، وهو قوله: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ. فقوله: يَرَوْنَهُمْ يعود إلى الإخبار عن إحدى الفِئتين: يجوز أن يكون خَبرًا عن الفئة المسلمة،
أن الخطاب في قوله: لَكُمْ و تَرَوْنَهُمْ للمؤمنين، أي: كان لكم أيها المؤمنون آية... حيث ترون الكفارَ مِثْلَيْ ما أنتم عليه في العدد، واستُبعِدَ هذا بأنه خلاف ما ذكره الله في آية ٤٤ من سورة الأنفال وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ حيث قلل الله المشركين في أعين المؤمنين.
أن الخطاب في قوله: تَرَوْنَهُمْ للمؤمنين، أي: ترون أيها المؤمنون الكافرين مثلي عدد أنفسكم. و مِثْلَيْهِمْ هنا انتقالٌ من الخطاب إلى الغيبة، والمعنى: ترونهم مثلي الفئة المقاتلة في سبيل الله. أو ترون أيها المسلمون المسلمين، أي: ترون أنفسكم مثلي عددكم.
أن الخطاب في لَكُمْ و تَرَونَهُمْ للكفار، أي: قد كان لكم أيها المشركون آية.. حيث ترون المؤمنين مثلي أنفسهم في العدد، ورُدَّ هذا بما رُدَّ به الوجه الأول. ترون أيها المشركون المؤمنين مثلي فئتكم الكافرة و مِثْلَيْهِمْ هنا انتقال من الخطاب إلى الغيبة، وحول هذه الوجوه المذكورة نقاشات، تراجع في الكشف لحمكي ١/ ٣٣٦. "الحجة" للفارسي ٣/ ٢٠، "حجة القراءات" ص ١٥٤، "الدر المصون" ٣/ ٤٨ - ٥١.
(٢) في (ج)، (د): (فللمعاينة).
ويجوز (١) أن يكون خبرًا عن الفئة الكافرة (٢). فإن جعلته خبرًا عن الفئة المُسْلمة (٣)، فالمعنى: يرى المسلمونَ المشركينَ مِثْلَيهم.
فإن قيل: المسلمون يوم بَدر كانوا ثلاثمائة وثلاثةَ عشر رجلًا، والكفار كانوا تسعمائة وخمسين رجلًا (٤)، فكيف رأى المسلمون (٥) المشركين مِثْليهم، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم؟!
فزعم الفرَّاءُ (٦): أن المعنى: يرونهم ثلاثة أمثالهم. قال: لأنك إذا قلت: (عندي ألف، وأحتاج إلى مِثليه). فأنت تحتاج إلى ثلاثة (٧) آلاف (٨)؛ لأنك لمَّا نَوَيْتَ أن يكون الألف الذي عندكَ داخلًا في المِثْل، كان (المِثْل): اثنين، و (المثلان): ثلاثة. وعلى هذا (٩) الآية كانت في أن المسلمينَ رَأَوْا المشركين على ما هم عليه مِنْ وُفُورِ العَدَدِ، ومع ذلك كانت قلوبهم مملوءةً جُرْأةً عليهم، واحتقارًا لهم، وشهوةً لملابستهم (١٠).
(٢) في (ج): (المسلمة).
(٣) فإن جعلته خبرًا عن الفئة المسلمة) ساقط من: (ج).
(٤) انظر: "صحيح البخاري" (٣٩٥٧) كتاب المغازي، باب: عدة أصحاب بدر، "صحيح مسلم" برقم (١٧٦٣): كتاب الجهاد. باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، "زاد المعاد" ٣/ ١٧٥، "حدائق الأنوار" لابن الديبع ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩، "السيرة النبوية" لابن كثير ٢/ ٤٠٤، ٤٢٢.
(٥) في (ج): (المسلمين).
(٦) في "معاني القرآن" ١/ ١٩٤. نقله عنه بتصرف، واختصار.
(٧) من قوله: (ثلاثة..) إلى (.. في المثل، كان) ساقط من: (ج).
(٨) في (د): (ألف).
(٩) في (د): (هذه).
(١٠) الملابسة: المخالطة. وهنا بمعنى: الاشتباك مع الكفار في ساحة المعركة. انظر: "اللسان" ٧/ ٣٩٨٧ (لبس).
قال الزجاج (١): وهذا غلط؛ لأنَّا إنما نعقل (مِثْل الشيء): مساويًا له، و (مثليه): ما يساويه مَرَّتَيْن. والذي قاله الفرَّاءُ يَبْطُل في معنى الدلالة على الآية المعجزة؛ لأن المسلمين إذا رأوهم على هيئتهم، فليس في هذا آيةً، وإنما المعنى في هذا: أن الله عز وجل أرى المسلمين أنَّ المشركين إنما هم (٢) ستمائة وكَسْر، وذلك (٣)، ان الله عز وجل كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار (٤)، فأراهم المشركين على قَدْرِ ما أعلمهم أنهم يغلبونهم؛ ليُقَوِّي قلوبَهم.
والدليل على صحة هذا المعنى: قوله: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: ٤٤]، فرأى كلُّ واحدٍ من الفريقين الآخرَ أقلَّ مِمّا كانوا؛ لِيَطْمَعَ كلُّ واحد منهما في الآخر، فيتقدم ويُلابِسَ. وهذا (٥) هو الذي فيه الآية المعجزة، وهو رؤية الشيء بخلاف صورته. انتهى كلامه (٦).
هذا إذا جعلنا قوله: يَرَوْنَهُمْ إخبارًا عن المؤمنين، فإنْ جعلته
(٢) في (ج): (سماهم).
(٣) قوله (وكسر، وذلك): بياض في: (د).
(٤) وذلك في قول الله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ آية: ٦٦ من سورة الأنفال.
(٥) في (ب): (هذا).
(٦) ومما يدفع قول الفراء الآنف: أن (المِثل) في اللغة: شِبْه الشيء، والمعادل له في المثال والقَدْر والمعنى.
كتاب "العين": ٨/ ٢٢٨، وذيل كتاب "الأضداد" للصَّغاني: ٢٤٥.
إخبارًا عن الفئة الكافرة (١)، فيكون المعنى: يُرِي الفئةَ الكافرةَ الفئةَ المقاتلةَ في سبيل الله مِثْلَيهم أي: مِثْلي ما كانوا، أو (٢) مِثْلي أنفسهم، على ما ذكرنا مِنْ تكثير الله إيَّاهم.
فإن قيل: كيف يصح تكثير الله المسلمينَ في أعينِ الكافرين، وقد قال: وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: ٤٤].
فالجواب: ما قاله أبو عبيد (٣)، وهو إنَّ التقليل كان في حالة أخرى، فالله (٤) تعالى كثَّر المسلمين في أعين الكافرين، كما قَلَّل الكافرين في أعينهم، ثم في حالة أخرى، قَلَّل المسلمين في أعينهم؛ لِيَطْمَعوا (٥) فيهم، فإذا لابسوهم، كانت العاقبةُ للمسلمين عليهم. فَكِلا (٦) الأمرين فيه دلالة على لُطْف الله عز وجل للمؤمنين (٧)، وحُسْن مَعُونَتِه إياهم.
والقراءة الصحيحة الموافقة للآية التي في الأنفال من غير اختلاف حالين: قراءة العامة، وهي الياء المُعْجَمة، على المعنى الذي ذكره الزجَّاج.
على أنَّ الفرَّاء (٨) قال: يجوز أن يكون التقليل الذي ذُكِر (٩) في
(٢) في (أ)، (ب): (و). والتصويب من (ج) و (د).
(٣) لم أهتد إلى مصدر قوله.
(٤) في (د): (والله).
(٥) في (أ): (ليطعموا)، والمثبت من (ب)، (ج)، (د)، وهو الصواب.
(٦) في (د): (فكان).
(٧) (للمؤمنين): ساقطة من (ج) و (د).
(٨) في "معاني القرآن" ١/ ١٩٥.
(٩) في (ج): (ذكره).
الأنفال لم يكن من طريق تقليل العَدَد، ولكن معناه: التهوين، كما تقول: (إني لأرى كثيرَكم قليلًا)، أي: قد هُوِّن علي، لا (١) أنك ترى الثلاثةَ اثنين (٢). وإذا كان كذلك صَحَّ تكثيرُ الله المسلمين في أعين الكافرين، على ما ذكرنا.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ نَصْرُ الله تعالى المسلمين على وجهين: نَصْرٌ بالغَلَبَةِ، كنصرهم يوم بدر. ونَصْرٌ بالحُجَّة. ولو هُزِمَ قومٌ مِنَ المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون بالحُجَّة، ومحمودِ العاقبة.
وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً العِبْرَة: الاعتبار (٣)، وهي: الآية التي يُعْبَر (٤) بها من منزلة الجهل إلى العلم؛ لأن المعتبر بالشيء، تاركٌ جهلَه، وواصلٌ إلى عِلْمِهِ بما رأى.
وأصلُه من: (العُبُور)، وهو: النفوذ من أحد (٥) الجانبين إلى الآخر. ومنه: (العِبارة) وهو: الكلام الذي يَعْبرُ (٦) بالمعنى إلى المخاطَب، و (عبارة
(٢) وقد دافع ابن الأنباري عن قول الفرَّاء هذا مبينًا أن الأعجوبة لم تكن في العَدَد، وإنما كانت في الجزع الذي أوقعه الله تعالى في قلوب المشركين على كثرتهم، وقلة المسلمين، ولِما قذفه الله من شجاعة في قلوب المسلمين، فهانت بها كثرة عدد المشركين عليهم، فكان احتقار المسلمين للكافرين على وفرة عددهم أعجب من احتقارهم لهم على نقصان عددهم. انظر: "الأضداد" ص ١٣٣.
(٣) وفي "الصحاح": (العِبْرَة: الاسم من الاعتبار) ٢/ ٧٣٢ (عبر).
(٤) في (د): (يُعتبر).
(٥) في (د): (إحدى).
(٦) في (أ): (يُعْبَرُ). وفي بقية النسخ غير مضبوطة بالشكل. والصواب ما أثبته ليستقيم المعنى.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي