ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

وقوله: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا (١٣)
وفيه: فإن قال قائِل: ما في فئة قليلة، وهي فئة أهل الإسلام، في غلبة فئة كثيرة، وهي فئة المشركين؛ حيث غلبت فئةُ المسلمين -وهم قليل- فئةَ المشركين -وهم كثير- يوم بدر، وقد يكون لأهل الكفر إذا كانوا قليلًا، فغَلَبُوا على أهل الإسلام - آيةٌ.
قيل: ليست الآية في الغلبة خاصة؛ لكن الآية فيها واللَّه أعلم، وفي غيرها من وجوه:
أحدها: أن غلبة المسلمين، مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وخروجهم لا على وجه الحرب والقتال - المشركين مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، واستعدادهم للحرب، وخروجهم على ذلك، والقتال - آية، وعلم العدو أنْ ليس لهم فئة، ولا لهم رجاء المدد، وأنْ لا غياث لهم من البشر، وذلك آية الجرأة وعلامة الشجاعة، ومعه آمَنُ، واللَّه أعلم.
والثاني: أن ما روي أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أخذ كفًّا من تراب، فرماه على وجوههم، وقال: " شَاهَتِ الوُجُوُه "؛ فامتلأت أعينهم من ذلك وعموا؛ حتى أنهزموا؛ فصار آية.
والثالث: ما قيل: إن أبا جهل قام فدعا فقال: " أينا أَحَقُّ دِينًا، وَأوصَلُ رَحِمًا؟

صفحة رقم 319

فَانْصُرهُ، واجْعَلِ الغَلَبَةَ والْهَزِيمَةَ عَلَى الآخَرِ "، فاستجيبت؛ فكانت الغلبة والهزيمة عليهم؛ فكان آية.
والرابع: ما أعان الملائكةُ المسلمين، وبعثهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - مددًا لنصرة المؤمنين على الكافرين يوم بدر؛ فذلك آية.
ووجه آخر: ما ذكرنا أن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا خرجوا شبه العير بغير سلاح، غير مستعدين للقتال على علم منهم بذلك، وأُولَئِكَ خرجوا مستعدين لذلك، فكان ما ذكر، واللَّه أعلم.
قال الشيخ - رحمه اللَّه -: في ذكر القليل في الأعين من الجانبين آيةٌ عظيمة؛ إذ هي حسية، والحواس تؤدي عن المحسوسات حقائقها، فجعلها اللَّه بحيث لا تؤدي؛ لما قال: (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا)؛ فيحتمل أن يكون المراد مما ذكر من الآية في أمر الفئتين - هذا، واللَّه أعلم.
وقوله: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ).
وفي بعض القراءات: " ترونهم " بالتاء: يرى المؤمنون أُولَئِكَ مثلي أنفسهم لا أكثر، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم، على ما روي في القصة؛ وهذا لما جعل الحق عليهم قيام الواحد من المسلمين بالاثنين منهم، مع ضعفهم؛ لجهدهم في العبادات، وبلوغهم الغاية من احتمال الشدائد والمشقات.

صفحة رقم 320

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية