ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

البشر، فيصدق عليه أن يقال: هو جواد وكريم وحليم، وودود
إلى سائر ما يصح أن يوصف به أولياء الله.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)
الفاحشة: ما تناه قبحه مما يدرك بالبصر أو بالبصيرة، ولكونها
مستعملة فيهما قيل: فلان فاحش الطول. اعتبارا باستقباح
البصر إياه، وقيل للزنى والبخل المتناهي: فاحشة. اعتباراً
باستقباح البصيرة إياهما، ويقال: فلان ظلم نفسه. على ثلاثة أوجه:

صفحة رقم 863

أحدها: إذا جنى على نفسه جناية لا يتخطاها.
والثاني: إذا ظلم ذويه الذين هم بمنزلة نفسه.
وعلى نحو ذلك قال الشاعر فيمن ظلم ذويه:
وما كنت إلا مثل قاطع كفِّه... بكفٍّ له أخري فأصبح أجذما
وعلى هذا الوجه قد يُقال ذلك فيمن ظلم واحدا من كافة الناس.
إذا كان الناس كنفس واحدة وآحادهم كأعضائها.
والثالث: أن ظلم الإِنسان غيره لما كان وباله راجعاً إليه.
يقال فيمن ظلم غيره:
قد ظلم نفسه، وعامة ما ذكر تعالى: ظلموا أنفسهم.
ذكره مقرونا بنفي ظلمه تعالى إياهم، نحو: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، وقد ذكر حيث نهى
عن ظلم الغير تنبيهاً على المعنى المتقدم، نحو قوله: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)، ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)

صفحة رقم 864

والإِصرار: الإِقامة على القبيح. مأخوذ - من الصّرار
والصُّرَّة، كأن المصر على الذنب جعل ذنبه مصروراً على نفسه.
أي معقودا لا يجد سبيلًا إلى حله.
وقوله: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) في موضع الحال، أي لم يكن منهم إصراراً مع العلم، واشتراط العلم أنه قد يُعذر الإِنسان مع الجهل في ارتكابه بعض المآثم.
كمن تزوج أخته من الرضاعة وهو لا يعلم ذلك، وهذه الآية
مع الأولى مشكلة، يقال: هل قوله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا) صفة للمتقين
كقوله: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) أم استئناف حكم؟ ولم أُعيدَ
ذكر الجنة منكّراً مقروناً بوصف آخر؟ ووجه ذلك أن الله تعالى

صفحة رقم 865

لما أمر الناس بتقواه وتقوى ناره أولاً، وأمرهم بالمسارعة إلى
المنزلتين أولا: إلى طلب المغفرة التي يستحقها المتقي من النار، ثمِ
إلى الجنة العريضة التي يستحقها المتقي من الله، ذكر بقوله: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) حال المتقين لله، المستحقين لتلك الجنة.
وقال: هم الذين تجاوزوا تعاطي أحكام الشرع إلى تعاطي
مكارمه، والذين اقتدوا بالله على غاية جهدهم في اكتساب
صفاته، ثم ذكر حال المستغفرين لوقوع فاحشة منهم أو
ظلم، وبين أن لهم جنات أدون من تلك الجنة، فقال: الذين إذا
أخلوا بشيء من الواجبات ذكروا الله فأقلعوا، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)

صفحة رقم 866

ولم يستمروا على فعل الشر، ثم قال: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) على سبيل الاعتراض بينه وبين تمام الكلام؟
تنبيها أن الإِنسان لا يجب أن يلتجئ إلا إلى الله، وبين أنه
من فعل ذلك لم يقتصر تعالى معه على ترك الذنب عليه، بل
يجعل له جنات، وجعل هذه الجنات على أوصاف يتصورها
الوهم، ويدرك مثلها الحس، وجعل للفرقة الأولى جنة لا
يتصورها الوهم، ولا يحيط بها الحسّ، فإن جنّة عرضها
السموات والأرض مع كونها في السماء إشارة إلى ما قاله - ﷺ -:
"ما لا عين رأت "، وذلك مما لا يتصوّره الوهم، ولا كانت
الفرقة الأولى عاملت أنفسهم وعباد الله بضرب عامل الله به عباد الله
وهو الجود والحلم والعفو، سماهم هو تعالى بما استحقه، وهو
المحسن، وقابلهم بمقابلةٍ يطلبها هو من العباد أن يقابلوه بها.
وهي المحبة، فقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
والفرقة الثانية: عاملت أنفسها وعباد الله بما لا يصح أن يوصف الله به.
بل يوصف به العبد المتدارك لتقصيره، جعلهم من العَمَلة

صفحة رقم 867

المستحقة للأجر، وسمى نفسه حيث ذكر مقابلة الفرقة
الأولى فقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، وهو أعم الأسماء
وأخصها به، تنبيها أنهم يراعونه بالإِلهية، وسمى نفسه
حيث ذكر مقابلة الفرقة الثانية ربهم، تنبيهاً أنهم يراعونه
بالنعمة الواصلة إليهم، التي هي سبب تربيتهم، وعلم أن
منزلة الفرقة الأولى منزلة الشاكرين الموصوفين بقوله:
(وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)، ومنزلة الفرقة الثانية منزلة
الصابرين الموصوفين بقوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، فذكر في الشاكرين المجازاة الجارية بين الأحباء، وذكر في الصابرين الأجرة كفاءَ ما يجعل للأجراء، وإن كان قد جعلها بلا حساب، وشتّان ما بين الأجير والحبيب، وهذه من المواضع التي لم أر من تحرى مذهب
التحقيق، واشتغل به مع صعوبته، غير أن ابن بحر لما انتهى
إلى قوله: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ)، قال: إن المغفرة المذكورة

صفحة رقم 868

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية