وقوله تعالى: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ.. فيه ترتيب فضل الله وكرمه بغفران الذّنوب لمن أخلص في توبته، ولم يصرّ على ذنبه، وهذا يشمل من فرّ في غزوة أحد، ثم تاب ولم يصرّ، فله مغفرة الله.
عاقبة المكذّبين والمتّقين وتوفير العزّة للمؤمنين بالجهاد
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٧ الى ١٤١]
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١)
الإعراب:
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ الواو إما للعطف، أو للحال فيكون المعنى: ولا تضعفوا ولا تحزنوا، وهذه حالكم.
نُداوِلُها جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الأيام.
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الواو: إما عاطفة على فعل مقدّر، والتّقدير: لئلا يغترّوا وليعلم الله الذين امنوا، وإما زائدة، أي ليعلم الله. والوجه الأول أوجه.
البلاغة:
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ التفات من الحاضر في كلمة نُداوِلُها إلى الغيبة، لتعظيم شأن الجهاد في سبيل الله.
المفردات اللغوية:
قَدْ خَلَتْ مضت سُنَنٌ طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم، واحدها سنة: وهي الطريقة المعتبرة والسّيرة المتّبعة. وَهُدىً من الضلالة أي تبصير وإرشاد إلى طريق الدّين القويم. وَمَوْعِظَةٌ ما يلين القلب ويدعو إلى التّمسك بالطاعة. وَلا تَهِنُوا تضعفوا عن قتال الكفار، من الوهن: الضعف في العمل وفي الرّأي وفي الأمر. وَلا تَحْزَنُوا على ما أصابكم بأحد أو غيرها من المعارك من الهزيمة. والحزن: ألم يعرض للنّفس من فقد ما تحبّ. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ بالغلبة عليهم. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حقّا.
قَرْحٌ جهد من جرح بسلاح ونحوه. الْأَيَّامُ المراد هنا أزمنة الفوز والظّفر، واحدها يوم: وهو الزمن المعروف من الليل والنهار. نُداوِلُها نصرّفها بين النّاس، يوما لهؤلاء ويوما لآخرين، ليتّعظوا، كما وقع في يومي بدر وأحد.
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ أي ليظهر الله علمه. الَّذِينَ آمَنُوا أخلصوا في إيمانهم من غيرهم.
شُهَداءَ واحدهم شهيد: وهو قتيل المعركة. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي يعاقب الكافرين، وأما ما ينعم به عليهم فهو استدراج.
وَلِيُمَحِّصَ يطهرهم من الذّنوب ويخلّصهم من العيوب بما يصيبهم. وَيَمْحَقَ يهلك وينقص.
سبب النزول:
نزول الآية (١٣٩) :
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا: قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد، فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل،
فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم لا يعلونّ علينا، اللهم لا قوّة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النّفر»
فأنزل الله تعالى هذه
الآيات، وثاب نفر من المسلمين رماة، فصعدوا الجبل، ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، فذلك قوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ «١».
سبب نزول أوّل الآية: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ:
قال راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كئيبا حزينا يوم أحد، جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها مقتولين، وهي تلدم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أهكذا يفعل برسولك؟ فأنزل الله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ الآية «٢».
نزول آخر الآية (١٤٠) :
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ:
أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النّساء الخبر، خرجن ليستخبرن، فإذا رجلان مقبلان على بعير، فقالت امرأة:
ما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قالا: حيّ، قالت: فلا أبالي يتّخذ الله من عباده الشهداء، ونزل القرآن على ما قالت: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ.
المناسبة:
إنّ ما حدث في وقعتي بدر وأحد، وجزاء المؤمنين والكافرين هو سنة الله في الخلق مع بيان الحكمة في النصر والانهزام، فالحق لا بدّ أن ينتصر على الباطل مهما طال أمد وجوده، وقد جرى ذلك على أتباع الأنبياء السابقين، كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين، كما وعد الله رسله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [الصافات ٣٧/ ١٧١- ١٧٣]، وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء ٢١/ ١٠٥].
(٢) المصدر السابق. واللّدم: صوت الحجر أو الشيء يقع بالأرض، وليس بالصوت الشديد.
التّفسير والبيان:
إن مشيئة الله تسير على نظم ثابتة وسنن حكيمة، ترتبط فيها الأسباب بالمسببات، والمقدّمات بالنتائج، وإن كان الله قادرا على كلّ شيء، وتلك السّنة في الماضين واللاحقين هي أن من سار على منهاج الطائعين المؤمنين الموفقين، حظي بالسعادة والنّصر والفلاح، ومن سار في طريق العصاة المكذّبين، كانت عاقبته خسرا ودمارا وهلاكا.
ففي أحوال السّلم إن سار المرء على الأصول المطلوبة والنّظم العلمية والخبرات المعروفة في شؤون الزراعة والصّناعة والتّجارة وغيرها، نجح وظفر بمراده، وإن كان ملحدا أو وثنيّا أو مجوسيّا. وإن جانب المعقول، وخرج عن المألوف، كان من الخاسرين، وإن كان صالحا تقيّا.
وفي أحوال الحرب إن أعدّ القائد العدّة المناسبة في كلّ عصر لقتال العدوّ، كما قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ... [الأنفال ٨/ ٦٠] ودرّب الجيش على فنون الحرب تدريبا صحيحا عاليا، تحقق النصر والغلبة، وإن أهمل الإعداد والتّدريب، أدركته الهزيمة.
ومن سار في الأرض، وتعقب أحوال الأمم، وتدبّر التاريخ وعرف الأخبار، يجد مصداق تلك السّنة الإلهية الثابتة وهي الفوز لمن أحسن، والخيبة لمن أساء.
وفي هذا تنبيه لمن أساء وخالف أمر النّبي صلّى الله عليه وسلّم في أحد، وتذكير بأنّ النّصر يوم بدر كان بسبب الثبات وصدق اللقاء وإطاعة الله والرّسول وحسن التّوكل على الله والثقة بقدرته ورحمته وفضله.
وهذا كلّه في القرآن بيان صريح للنّاس جميعا، وهداية وموعظة للمتّقين
منهم خاصة، لأنهم المنتفعون بهدي القرآن: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة ٢/ ٢]، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ، هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان ٣١/ ٢- ٣]، إنه بيان الأمور على نحو واضح، وكيف كان الأقدمون مع أعدائهم، وهو زاجر عن المحارم والمخالفات.
وذلك يدحض قول المشركين والمنافقين: «لو كان محمد رسولا حقّا لما غلب في وقعة أحد» مما يتبين أن سنن الله حاكمة على الأنبياء والرّسل وسائر الخلق، فما من قائد لا يطيعه جنوده ويخالفون أوامره، إلا كان جيشه عرضة للهزيمة.
وإذا عرف المؤمنون هذه الحقيقة فيجب عليهم ألا يضعفوا عن القتال بسبب ما جرى في أحد، وما يجري من مسّ السّلاح، ولا يحزنوا على ما أصابهم من قتل في أحد، فالقتيل شهيد مكرم عند الله يوم القيامة، وتلك الموقعة درس وتربية وتعليم للمسلمين، لذا
قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «لو خيّرت بين الهزيمة والنّصر يوم أحد لاخترت الهزيمة».
وليس لكم أن تضعفوا وتحزنوا، وأنتم الأعلون، والعاقبة والنصر لكم أيها المؤمنون، بمقتضى سنّة الله في جعل العاقبة للمتّقين، وقتلاهم في الجنّة، وقتلى الكافرين في النّار. والمراد بالنّهي عن الوهن والحزن: النّهي عن الاستسلام، والعودة إلى التّأهّب والاستعداد، مع صدق العزيمة، وقوّة الإرادة، وحسن الظّن بالله، والتّوكّل عليه والثّقة بالنّصر.
وكيف تضعفون بسبب الآلام والجراح والقتل، فإن كنتم قد أصابتكم جراح، وقتل منكم طائفة في أحد، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح، بل وتعرّضوا لألم أكثر في بدر، فإن هزمتم في أحد، فقد انتصرتم في بدر، والأيّام دول، والحرب سجال، ويوم لكم ويوم عليكم، وذلك كلّه لحكمة، فنجعل للباطل دولة في يوم، وللحقّ دولة في أيّام، والعاقبة والنّصر في النهاية
للمتّقين المخلصين. جاء في السّيرة أنّ أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد، فمكث ساعة، ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ يعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وأبو كبشة زوج حليمة السعدية، وهو أبوه من الرّضاع، أين ابن أبي قحافة؟ - أي أبو بكر- أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر، فقال أبو سفيان: يوم بيوم، والأيّام دول، والحرب سجال. فقال عمر رضي الله عنه: لا سواء، قتلانا في الجنّة، وقتلاكم في النّار، فقال: إنكم تزعمون ذلك، فقد خبنا إذن وخسرنا «١».
إن تقلّب الأحوال بين الدّول ليظهر العدل ويستقرّ النظام، ويعلم الناظر في السّنن العامة، وليظهر الله علمه بتحقق إيمان المؤمنين، وانكشاف الصابرين على مناجزة الأعداء، كقوله: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال ٨/ ٣٧] أي ليعلم الناس الفرق بينهما ويميزوه، ولذا
قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم بعد موقعة أحد لمطاردة المشركين: «لا يذهب معنا في القتال- أي في غزوة حمراء الأسد- إلا من قاتل»
فذهب المؤمنون الصّادقون بالرّغم من تعبهم وعنائهم. وقد فسّرنا: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ بأن يظهر الله علمه بذلك للناس بما يعلم به، إذ علم الله بالأشياء ثابت في الأزل، فما يقع يكون مطابقا لعلم الله السابق في الأزل، وعلم الله لا يكون إلا مطابقا للواقع، فما لا يعلمه الله تعالى لا يكون له حقيقة ثابتة.
وليعدّ الله أناسا للشهادة في سبيل الله، فيقتلون في سبيله ويبذلون أرواحهم في مرضاته، فقد فات بعض المؤمنين الاستشهاد يوم بدر، فتمنوا لقاء العدو، ليحظوا بمرتبة الشهادة. وقد كرّم الله الشهداء بالحياة البرزخية، وبالدرجة الموازية للأنبياء، فقال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران ٣/ ١٦٩]، وقال: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ [النساء ٤/ ٦٩].
وبصدد ذلك ذكر أضداد الشّهداء تنويها بإخلاصهم، فقال تعالى: والله يعاقب الظالمين الكافرين، بسبب ظلمهم أنفسهم وفسادهم في الأرض، وبغيهم على الناس، ويعجل زوال دولتهم وسلطتهم، لأن الظلم لا بقاء له.
ثم أكّد الله تعالى أنّ المعارك مجالات كشف وإبراز وتطهير، ففيها يتميّز المؤمنون الصادقون عن المنافقين، وبها عرف صدق الإيمان وصلابة العزيمة والثبات عند الابتلاء، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران ٣/ ١٤٣]، ففي غزوة أحد تراجع المنافقون ولا ذوا بالفرار، بل إن بعض المؤمنين في أثناء المعركة هرب، وثبت الآخرون حول النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فتبيّن أن تمنيات اللقاء مع العدو مجرد آمال لا قرار ولا ثبات لها،
وقد ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف».
ومن فوائد المعارك أيضا تبيان حال الكفار، فهم إن ظفروا كما في أحد بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، فلا بقاء ولا استمرار لهم، ولا ثبات لأحوالهم أمام المؤمنين الصادقين. وإذا هزموا كما في بدر عاجلهم الله بالدّمار والفناء، والعاقبة للمتّقين.
وقد وردت آيات كثيرة في معنى هذه الآيات منها: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ، وَزُلْزِلُوا... [البقرة ٢/ ٢١٤]، ومنها: الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت ٢٩/ ١- ٢]، ومنها الآية التالية: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران ٣/ ١٤٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع هذه الآيات بتعبير العصر: تقوية الرّوح المعنوية للمؤمنين، وجعلها عالية سامية لا تتأثر ولا تهتز بأحداث المعارك والقتال. وفي تعبير المفسّرين: هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين.
وهي تذكرهم بسنّة الله الدّائمة في الكون، وهي ارتباط الأسباب بالمسببات، مع الإيمان بالقدرة المطلقة لله في إيجاد ما يشاء، إنها تذكير بهلاك من كذب قبلنا أنبياءهم كعاد وثمود، والعاقبة أي آخر الأمر للمؤمنين، فإن انتصر المشركون يوم أحد، فهذا إمهال واستدراج، وسيكتب النّصر النهائي للنّبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين، وسيهلك أعداؤهم الكافرون.
ثمّ عزّى الله المؤمنين وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثّهم على قتال عدوّهم، ونهاهم عن العجز والفشل والقعود عن جهاد الأعداء، فإن الهزيمة أو المصيبة تذكر بضرورة تصحيح الأخطاء، وتهيئ لدراسة عميقة لمستقبل الأحداث، وتخطط لمعارك كثيرة، يكون الماضي خير درس وعبرة فيها، وعندئذ تكون العاقبة بالنصر والظفر للمؤمنين إذا أحسنوا الإعداد، واستفادوا من أخطاء الماضي.
وتحقق وعد الله للمؤمنين بأنهم الأعلون أي الغالبون على الأعداء بعد أحد، فكان النّصر والظّفر في المعارك المتوالية، في عهد النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي عهد الصحابة من بعده أيضا. وهذا دليل على فضل هذه الأمّة: لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، فقال لموسى عليه السّلام: إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [طه ٢٠/ ٦٨]، وقال لهذه الأمّة: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ.
وتداول الأيام بين الناس في الحرب، فيكون النّصر مرّة للمؤمنين لنصر الله عزّ وجلّ، ومرّة للكافرين إذا عصى المؤمنون، إنما هو ليرى المؤمن من المنافق،
فيميز بعضهم من بعض، كما قال تعالى: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، فَبِإِذْنِ اللَّهِ، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا [آل عمران ٣/ ١٦٦].
ومن فوائد المداولة: إكرام قوم بالشّهادة، فيقتلون، فيكونون شهداء على النّاس بأعمالهم، وليصيروا مشهودا لهم بالجنّة، وللشهادة فضل عظيم، كما قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.. [التوبة ٩/ ١١١]، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ إلى قوله: ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصّف ٦١/ ١٠- ١٢].
وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة».
ودلّ قوله: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ على أن الإرادة غير الأمر، كما يقول أهل السّنة، فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين: حمزة وأصحابه، وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشجرة، وأراده، فواقعه آدم، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده، فامتنع منه، وأشار تعالى لذلك: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [التوبة ٩/ ٤٦]. وأمر تعالى الجميع بالجهاد، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير، فقعدوا.
ودلّ قوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي المشركين على أنه تعالى وإن حقق نصر الكفار على المؤمنين مرة، فهو لا يحبّهم ويعاقبهم، وإن أوقع ألما بالمؤمنين فإنه يحبّهم ويثيبهم.
وتتلخّص نتيجة المداولة بين المؤمنين والكفار في الحروب: أن الله شرع اللقاء ليبتلي المؤمنين ويثيبهم ويخلصهم من ذنوبهم، ويستأصل الكافرين بالهلاك.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي